عادوا إلى غزة ولم تعد الحياة كما كانت

 

غزة 8-2-2026 وفا- صفاء البريم

بعد قرابة عام ونصف العام من الإغلاق، سمح جيش الاحتلال بفتح جزئي لمعبر رفح في الاول من شباط/فبراير الجاري، حيث عشرات الآلاف من العالقين يريدون العودة إلى غزة، بعد غياب قسري، وانتظار طويل على عتبات المجهول.

غير أن فرحة فتح المعبر، كما يؤكد العائدون، لم تكن كافية لتخفيف قسوة الرحلة، ولا لمحو آثار ما علق في الذاكرة من مشاهد الإذلال والمعاناة على يد جنود الاحتلال.

بعد رحلة العودة القاسية، تجلس صباح صالح (65 عامًا) في خيمة ابنها بمواصي خان يونس جنوب القطاع، منهكة من التعب، وحاملة ألم فقدان أبنائها وزوجها الذين قضوا تحت قصف الاحتلال لبيتهم في بلدة عبسان.

تقول صالح: خرجت من غزة برفقة زوجة ابني للعلاج في مصر في نيسان/أبريل 2024، بعد أن دمّر الاحتلال الإسرائيلي بيتنا، واستشهد زوجي فيصل (65 عامًا) وثلاثة من أبنائي: محمد (40 عامًا)، وعمر (38 عامًا)، وصقر (30 عامًا).

وتروي بصوت مثقل بالوجع: "خرجت من غزة برفقة زوجة ابني للعلاج في مصر في نيسان/أبريل 2024، ولم أكن أعلم أن تلك الرحلة العلاجية ستتحوّل إلى غياب طويل. بعد مغادرتي بفترة قصيرة، أغلق المعبر بالكامل عقب سيطرة الاحتلال، لنظلّ محاصرين خارج غزة رغم انتهاء علاجي.

ووفقا لبيانات وزارة الصحة الفلسطينية، فقد قتل الاحتلال منذ السابع من أكتوبر 2023 نحو 72 ألف فلسطيني، فيما أصيب أكثر من 171 ألفًا، ما يجعل قصتها واحدة من آلاف القصص التي توضح حجم المعاناة الإنسانية التي يعيشها العالقون والنازحون. بين فرحة العودة وألم الماضي، يبدأ العائدون رحلة جديدة في مواجهة واقع لم يعد كما كانوا يعرفونه، حيث تبقى الأسئلة عن المفقودين والمنازل المهدمة والمستقبل المجهول حاضرة في كل خطوة.

وتقول بصوت تختلط فيه الحسرة بالشوق: كنت أريد فقط أن أعود إلى غزة، لأعيش مع ابني أحمد الناجي الوحيد، وأحفادي، ومن تبقى لي من أحبابي.

فرحت صالح كثيرا عندما سمعت خبر فتح المعبر، شعرت أن العودة إلى أحبتها صارت ممكنة من جديد، لكن طريق العودة، كما تقول، لم يكن سهلاً.

وتضيف: كنت ضمن الدفعة الثانية التي دخلت غزة في 3 فبراير، وكانت الرحلة شاقة وطويلة، مليئة بساعات انتظار مرهقة، قبل أن تبدأ معاناتنا على الجانب الإسرائيلي.

وتصف ما جرى معها بالقول: تعرضنا لتفتيش دقيق ومهين، قيد جنود الاحتلال أيدينا، وغمّوا أعيننا، وتركونا لساعات طويلة في البرد القارس.

 ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، إذ تقول بأسى يملأ صوتها: صادر جنود الاحتلال الأدوية التي كانت بحوزتي لاستكمال علاجي، إضافة إلى ألعاب بسيطة اشتريتها لأحفادي، ومنعوني من إدخالها إلى غزة، حتى الفرح الصغير لم يتركوني أحمله معي".

 ووفقاً للمصادر الطبية في قطاع غزة، نحو 20 ألف مريض وجريح ينتظرون السماح لهم بالسفر للعلاج في الخارج.

وإلى جانب صالح، يجلس ابنها أحمد (35 عامًا) وأطفاله الثلاثة داخل خيمة صغيرة في مواصي خان يونس، بعد أن دمر الاحتلال منازل العائلة خلال الحرب، وسقط العشرات من أبناء العائلة بين شهيد وجريح.

يقول أحمد: "فرحت كثيرًا بعودة أمي، وجودها بيننا يعوضنا جزءًا من الألم، رغم أننا نعيش في خيمة بعد أن استشهد والدي وإخوتي ودُمرت بيوتنا".

 ويضيف، أن عودة والدته أعادت شيئًا من الدفء للعائلة المكسورة، حتى وإن كانت الظروف قاسية.

وتقول الام صالح، "بصوت تختلط فيه الحنين بالحسرة: "أشتاق لتفاصيل الحياة البسيطة التي فقدتها قسرًا… لروائح البيت، ولأصوات أحفادي، وهم يركضون حولي، لكل شيء صغير كنت أعتبره عاديًا قبل أن أفقده".

وتضيف: "لم يكن قرار عودتي سهلًا، لكنه كان حاسمًا؛ فالعودة والبقاء هنا شكل من أشكال الإصرار على البقاء، ورسالة صريحة برفض كل محاولات التهجير الإسرائيلية التي تسعى لاقتلاع الفلسطيني من أرضه".

لكنها استدركت سريعًا، مشيرة إلى أن لحظة الارتياح سرعان ما اصطدمت بواقع قاسٍ. فالمدينة التي تركتها، غطتها مشاهد دمار واسعة لم تكن لتخطر على بالها. "غصّ قلبي وأنا أرى غزة التي غادرتها عامرة بالبيوت الجميلة تتحول إلى مدينة خيام، بلا ماء كافٍ، ولا علاج، ولا أبسط مقومات الحياة"، تقول صباح بصوت يفيض بالحسرة.

وبحسب تقرير رسمي لهيئات فلسطينية وإحصاءات مكتب الإحصاء المركزي، فقد غادر نحو 100 ألف فلسطيني قطاع غزة بشكل قسري، أو اضطراري، منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023 وحتى نهاية عام 2025، نتيجة الدمار والتهجير القسري الذي خلفته الحرب.

أما عبير (37 عامًا)، الابنة الوحيدة للسيدة صالح، فلم تتمالك دموعها وهي تعبر عن مشاعرها قائلة:"فرحتي بعودة أمي كبيرة، لكن الألم أكبر… ليت أبي وإخوتي كانوا معنا اليوم".

صباح ليست استثناءً، بل واحدة من مئات القصص التي يحملها المسافرون والعائدون عبر معبر رفح، حيث تختلط فرحة اللقاء بمرارة الفقد، وأمل العودة بذكريات التفتيش والانتظار والحرمان.

يذكر أنه في الأيام الأولى لفتح معبر رفح، سمحت سلطات الاحتلال فقط لعدد قليل جدًا من الأشخاص بالعبور، حيث تمكن حوالي 12 شخصًا فقط من دخول مصر في أول يوم من افتتاح المعبر، من بينهم مرضى ومرافقيهم.
وفي الأيام التالية، ظلت حركة العبور محدودة جدًا مقارنة باحتياجات آلاف المواطنين؛ على سبيل المثال، وصل نحو 25 فلسطينيًا إلى داخل غزة مقابل مغادرة 46 آخرين في أحد هذه الأيام، ما يعكس استمرار التقييد والضغط على حركة المواطنين العالقين.

ورغم إعادة تشغيل المعبر، بقي يعمل بطاقة محدودة جدًا وتحت إجراءات تفتيش مشددة، ما يعني أن الحركة كانت أقل بكثير من الأعداد المطلوبة لتلبية احتياجات المرضى والطلاب والأسر العالقة منذ الإغلاق.

ــــــــــ
س.ك

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا