غزة 3-2-2026 وفا- صفاء البريم
بين خيام النزوح التي لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، يعيش آلاف الأطفال في قطاع غزة حرمانا مضاعفا من التعليم، بعدما استُبدل صوتُ الجرس المدرسي بضجيج القصف وطوابير انتظار الماء، وهمّ البحث عن لقمة العيش.
داخل إحدى خيام مواصي خان يونس، جنوب قطاع غزة، تجلس الأم سهام أبو لبدة (35 عامًا)، تحدّق في أبنائها الأربعة بعينين يملؤهما الحزن والحسرة، وتقول: "أنا أم جامعية، ووالدهم كذلك، وحلمنا لأبنائنا كان تعليمًا أفضل ومستقبلًا آمنًا، لكن الحرب الملعونة حرمتهم من هذا الحق".
وتستعيد سهام بمرارة بداية الحرب قبل عامين ونصف، حين كان ابنها الأكبر عمر، المولود عام 2008، طالبًا في الصف العاشر، وتضيف: اليوم من المفترض أن يتقدم عمر لامتحان الثانوية العامة، فكيف له أن يفعل ذلك وهو يعيش بين خيمة ونزوح ومسؤوليات تفوق عمره؟.
نجلها عمر يتحدث بصوت يخالطه الإرهاق: أجد صعوبة كبيرة في متابعة دروسي، فأنا أعيش في خيمة مع أسرتي المكوّنة من ستة أفراد، وسط ضوضاء الخيام المحيطة، لكنني أدرك أن التوجيهي سنة مصيرية، وأحلم بإكمال تعليمي الجامعي كأي طالب طبيعي في هذا العالم.
وأشار عمر إلى أنه يتحمل مسؤولية نقل المياه لأسرته والاحتياجات اليومية للبيت، في ظل ظروف غاية في الصعوبة.
"أنا الأكبر بينهم، وأساعد والدي في توفير الحطب والطعام، ونقف في طوابير لا تنتهي"، يضيف.
والجدير ذكره ان قطاع غزة يحتاج في الظروف الطبيعية إلى ما بين 400 و500 طنٍّ من الغاز يوميًا، لكن ما يدخل فعليًا لا يتجاوز 120 إلى 150 طنًا في أفضل الأيام، وهو ما يعني أن القطاع لا يحصل على ثُلث حاجته من غاز الطهي، فالأزمة مستمرة مما يضطر المواطنون إلى استخدام الحطب بديلًا عن الغاز.
ولفتت الأم أن نجلها يزن أصبح في التاسعة من عمره، ولا يتقن القراءة والكتابة، لأن سنوات التأسيس كانت هي سنوات الحرب، كما قالت.
وتصف حالها بالقول "أحاول أحيانًا تدريسه، لكن الأمر ليس سهلًا أبدًا. أنا مثقلة بالهموم؛ بين الفقد، والدمار، وسقوط الأحبة بين شهيد وجريح، وأمضي يومي في إعداد الطعام والخبز على النار، وغسيل الملابس يدويًا، ومحاولة تلبية احتياجاتنا الأساسية".
ثم تنظر إلى طفلها الأصغر آدم، الذي وُلد قبل الحرب بعامين، وتقول بألم: كان من المفترض أن يبدأ الآن مرحلة البستان والتمهيدي، لكن حتى هذا الحق البسيط أصبح صعب المنال.
من جانبه، قال الأب عيد أبو لبدة (40 عامًا) "إنه يريد فقط أن يرى أبنائه منتظمين في دراستهم، فالتعليم بالنسبة لنا مهم كأهمية الهواء الذي نتنفسه، أريد أن ينجو أبنائي من هذه الحرب الشرسة التي يشنها الاحتلال علينا… كأننا نصارع فقط من أجل أن نبقى أحياء". قال أبو لبدة.
وأضاف، أن الحرب حصدت الأخضر واليابس، استنزفت العائلة من كل اتجاه؛ "نزوح متكرر، مجاعة، هدم بيوت، وفقدان الكثير من أحبّتنا".
ويشير إلى عمله كبائع متجول بين الخيام، في محاولة لتأمين القليل من المال الذي يتيح له توفير الطعام والشراب لعائلته، بعد أن أُجبروا على ترك منازلهم في شرق خان يونس والنزوح للعيش في خيام مواصي خان يونس غربًا.
ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن نحو 1.9 مليون شخص نزحوا داخل قطاع غزة منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، من شمال وشرق وجنوب القطاع إلى غربه، تحت وطأة القصف المكثف والدمار الواسع.
إلى جانب والدها، تجلس الطفلة سما (13 عامًا)، يشير إليها قائلاً: "سما أصبحت في المرحلة الإعدادية، وتذهب إلى إحدى الخيام التعليمية التابعة لليونيسيف ثلاثة أيام في الأسبوع، بعد أن دمّر الاحتلال المدارس".
لكن هذا التعليم، كما يوضح، يبقى محدودًا وغير كافٍ، في ظل افتقار تلك الخيام إلى المقاعد والأدوات الأساسية، وارتفاع أسعار الكتب والدفاتر والقرطاسية التي مُنع دخولها إلى القطاع منذ بدء العدوان، ما يجعل توفيرها أمرًا يفوق قدرة العائلة.
وتشير بيانات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بالتعليم إلى أن قطاع التعليم في غزة يواجه أكبر تحدٍ له منذ سنوات، إذ دمرت أكثر من 97% من مدارس القطاع كليًا أو تعرضت لأضرار متفاوتة بفعل القصف الإسرائيلي المستمر منذ السابع من أكتوبر 2023.
كما تُظهر البيانات أن 518 مبنى مدرسيًا من أصل 564 تحتاج إلى إعادة إعمار كاملة أو إصلاحات واسعة لتعود إلى الخدمة.
وفي السياق ذاته، تؤكد تقارير منظمة اليونيسيف أن أكثر من 50 ألف طفل فلسطيني قُتلوا أو أُصيبوا جراء العدوان الإسرائيلي على غزة قبل عامين ونصف، في واحدة من أعلى النسب المسجّلة عالميًا، ما أسهم في حرمان آلاف الأطفال من مواصلة تعليمهم.
من جهته، يحذّر الأخصائي التربوي محمد عبدربه من أن استمرار حرمان الطلبة من حقهم في التعليم سيترك آثارًا طويلة الأمد على المجتمع الفلسطيني، موضحًا أن: "غياب التعليم لا يعني فقط ضعف التحصيل العلمي، بل يفتح الباب أمام ارتفاع معدلات الأمية، وعمالة الأطفال، والانحراف السلوكي، ويقوّض أي فرصة لبناء جيل قادر على إعادة إعمار ما دمرته الحرب".
ويؤكد أن التعليم في غزة لم يكن يومًا رفاهية، بل كان وما زال وسيلة صمود وهوية، ومع تدمير المدارس وتحويل بعضها إلى مراكز إيواء، بات الطلبة بلا بيئة تعليمية آمنة، ولا أدوات، ولا استقرار نفسي، ليبقى جيل كامل معلّقًا بين خيام النزوح ومستقبلٍ مؤجّل.
ــــــــــــ
س.ك


