غزة 18-7-2026 وفا- محمد دهمان:
لم يكن أحد يتخيل أن تتحول الولاعة (القداحة)، التي كانت قبل الحرب تُباع بثلاث قطع مقابل شيكل واحد وتُرمى بمجرد نفاد غازها، إلى سلعة نادرة يصل ثمنها إلى ما بين 90 و100 شيكل، وأن تصبح سببًا في ظهور مهنة جديدة تقوم على صيانتها وإعادة استخدامها، في مشهد يجسد كيف غيّرت الحرب والحصار أدق تفاصيل الحياة اليومية في قطاع غزة.
فمع استمرار إغلاق المعابر وشح البضائع، لم تعد أزمة السكان والنازحين تقتصر على الغذاء والمياه والوقود، بل امتدت إلى أبسط الأدوات اللازمة لإشعال النار، التي يعتمد عليها مئات آلاف النازحين في الطهي وتسخين المياه، بعد انقطاع الكهرباء وغياب غاز الطهي عن معظم الخيام.

في خيمة متواضعة غرب مدينة خان يونس، يجلس عبد الرحمن أبو لبدة (53 عامًا)، من سكان محافظة رفح، الذي أجبره النزوح على البحث عن مصدر جديد لإعالة أسرته، فوجد في صيانة الولاعات مهنة لم تكن معروفة في غزة قبل الحرب.
ويقول أبو لبدة إن المواطنين كانوا يتخلصون من الولاعات فور تعطلها أو نفاد غازها، أما اليوم فأصبحت كل ولاعة تُحفظ بعناية، ويبحث أصحابها عن أي فرصة لإعادتها إلى العمل بدل شراء أخرى يصعب العثور عليها أو يفوق ثمنها قدرتهم.

ويبدأ عمله بجمع الولاعات التالفة وتفكيكها إلى مكوناتها الأساسية، ثم فحص الصمام، وحجر الإشعال، وعجلة الشرر، والنوابض، وسائر الأجزاء الداخلية، ليستبدل القطع التالفة بأخرى مأخوذة من ولاعات مستعملة، قبل إعادة تجميعها واختبارها.
ويشير إلى أن الحصول على قطع الغيار بات تحديًا لا يقل صعوبة عن عملية الإصلاح نفسها، إذ يعتمد على شراء الولاعات المستعملة التي يتراوح سعر الواحدة منها بين 10 و 20 شيقلًا للاستفادة من أجزائها، في حين يتراوح سعر الولاعة الجديدة بين 90 و100 شيكل.
ولا تقف الأزمة عند قطع الغيار، إذ يؤكد أن غاز تعبئة الولاعات لم يعد متوفرًا في قطاع غزة، ما اضطره إلى استخدام غاز الطهي، الذي يدخل بكميات محدودة، لتعبئة الولاعات رغم أنه غير مخصص لهذا الاستخدام ويؤثر في كفاءتها وعمرها الافتراضي.
ويبين أن تعبئة الولاعة بغاز الطهي تكلف خمسة شواقل، بينما يبلغ استبدال حجر الإشعال سبعة شواقل، وتختلف أجرة الصيانة بحسب العطل والقطع المطلوبة، إلا أنها تبقى أقل بكثير من شراء ولاعة جديدة.
ويؤكد أن الإقبال على صيانة الولاعات يزداد باستمرار، لأن معظم الأسر لم تعد قادرة على استبدالها، فأصبحت الولاعة الواحدة تُصلح مرات عدة، بعدما كانت تلقى في النفايات بمجرد انتهاء صلاحيتها.
ولم تعد الولاعة مجرد وسيلة لإشعال النار، بل أصبحت أداة لا غنى عنها في حياة آلاف العائلات التي تعتمد على الحطب وأفران الطين لإعداد الطعام، في ظل واقع فرضته الحرب والحصار.
ويقول النازح محمد أبو جامع (62 عامًا)، من سكان شرق خان يونس، الذي دمر الاحتلال منزله بالكامل ويقيم اليوم في خيمة بمنطقة المواصي غرب المحافظة: "عانينا خلال هذه الحرب من النزوح وفقدان كل شيء، ولم تعد معاناتنا تقتصر على الجوع أو شح المياه، بل امتدت إلى أبسط تفاصيل حياتنا اليومية."

ويضيف: "بسبب عدم توفر الولاعات وارتفاع أسعارها، أتنقل بين الخيام بحثًا عمن يعيرني واحدة، وأحيانًا أستغرق ساعتين أو أكثر حتى أجدها، لنتمكن من إشعال النار وإعداد الطعام لأبنائي وبناتي وأحفادي النازحين معي. وعندما ننجح في إشعال النار، نحافظ عليها مشتعلة لأطول وقت ممكن حتى نطهو الطعام ونسخن المياه ونغليها لتحضير الحليب للأطفال".
أما النازحة ابتسام الآغا (39 عامًا)، وهي أم لولد وثلاث بنات، استشهد زوجها خلال الحرب، فتقول إن فقدان المعيل دفعها إلى بناء فرن من الطين لتخبز للنازحين المقيمين معها في المخيم، بعد انقطاع الكهرباء وغياب غاز الطهي.
وتضيف: "أصعب ما أواجهه كل صباح ليس توفير الحطب، بل إيجاد وسيلة لإشعال النار. كنت أستعير ولاعة من الجيران، لكنني كنت أستحي أن أوقظهم مع ساعات الفجر، فادخرت المال حتى اشتريت ولاعة بنحو 90 شيقلًا."
وتتابع: "بعد أن عرف النازحون أن لدي ولاعة، أصبح الجميع يستعيرها، ولم أكن أستطيع رفض أحد لأننا نعيش الظروف نفسها. ومع كثرة الاستخدام تعطلت، فأصلحتها مقابل 15 شيقلًا، ثم تعطلت مرة أخرى بعد أيام فأعدت إصلاحها مقابل 10 شواكل".
وتشير إلى أن كثيرًا من النازحين يأتون إلى فرنها لإشعال قطعة كرتون أو خشب، ثم يحملونها إلى خيامهم لإعداد الطعام، قبل أن تضيف: "هل أصبح العالم عاجزًا عن إنقاذنا؟ نحن لا نموت بالقصف وحده، بل نموت كل يوم من شدة البؤس والقهر ونقص أبسط مقومات الحياة."
وتقول النازحة فاطمة خليل (36 عاما)، من شمال قطاع غزة وهي أم لأربعة أطفال، إن الولاعة أصبحت من أكثر الأشياء التي تحرص أسرتها على المحافظة عليها.
وتضيف: "أحيانًا تصبح الولاعة أهم من الطعام، لأننا نفكر كل يوم كيف سنشعل النار لنطبخ أو نسخن المياه. وإذا تعطلت نحاول إصلاحها، وإن لم تنجح الصيانة نبحث عنها بين الخيام، وقد نضطر إلى المرور على أكثر من خيمة لأن الجميع يعاني الأزمة نفسها."
وتتابع: "أسعار الولاعات أصبحت فوق قدرة معظم الأسر، لذلك أصلحنا الولاعة أكثر من مرة لأنه لا يوجد بديل، وأصعب اللحظات عندما يجوع الأطفال ولا نستطيع إشعال النار لإعداد الطعام، أو يحتاج مريض إلى ماء دافئ ولا نجد ولاعة."
وتختصر أزمة الولاعات جانبًا من التحولات التي فرضتها الحرب على الحياة اليومية في قطاع غزة، حيث لم تعد إعادة الاستخدام تقتصر على الأثاث أو الأدوات المنزلية، بل امتدت إلى أبسط الوسائل التي يعتمد عليها الإنسان في تلبية احتياجاته الأساسية. وبينما كانت الولاعة قبل الحرب سلعة زهيدة تُستبدل بسهولة، أصبحت اليوم موردًا نادرًا، يتشارك النازحون استخدامه، ويبحثون عنه بين الخيام، ويعيدون إصلاحه مرة بعد أخرى، في صورة تختزل حجم المعاناة التي يعيشها سكان القطاع تحت وطأة الحرب والحصار .
ــ
إ.ر


