أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 15/05/2026 03:25 م

"قاقون" ومخيم طولكرم.. ذاكرة النكبة الممتدة

مصطفى محمد عبد الرحمن أبو دية (تصوير: وفا عواد/ وفا)
مصطفى محمد عبد الرحمن أبو دية (تصوير: وفا عواد/ وفا)

 

طولكرم 15-5-2026 وفا- هدى حبايب 

يجلس اللاجئ مصطفى محمد عبد الرحمن أبو دية، المولود عام 1934 في قرية قاقون المهجرة شمال غرب طولكرم، متكئا على ذاكرة مثقلة بالنزوح والغياب، يستعيد تفاصيل النكبة الأولى وكأنها حدثت بالأمس، بينما يعيش اليوم نكبة جديدة فرضها عدوان الاحتلال على مخيمي طولكرم ونور شمس، وما رافقه من تهجير وتدمير وتشتيت للعائلات.

قبل 78 عامًا، هُجّر نحو 950 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم في أراضي الـ48، في واحدة من أقسى عمليات التطهير العرقي التي عرفها القرن العشرين، تركوا خلفهم منازل أغلقوها بمفاتيح لا تزال بحوزتهم، وأوراقا رسمية تثبت ملكيتهم، في انتظار عودة طال أمدها.

يروي أبو دية، الذي كان يبلغ من العمر 14 عاما عند تهجير عائلته من قاقون عام 1948، كيف اضطر الأهالي إلى مغادرة قريتهم تحت وقع القصف والخوف.

يقول: "ضربوا من مستعمرة تسمى "همعبيل" القريبة من القرية قنبلة واستشهد عدد كبير من السكان، فاضطر من بقي على قيد الحياة للخروج من القرية إلى طولكرم وضاحية شويكة على أمل العودة".

خرجت العائلات، كما يصف، دون أن تحمل شيئا معها، تاركة البيوت والأرض والذكريات خلفها، "أغلقنا الباب وخرجنا، وكنا نظن أننا سنعود بعد أيام، لكننا تفاجأنا أنهم قصفوا القرية ومسحوا معالمها"، يقول بصوت يختلط فيه الحنين بالألم.

ويصف أبو دية قاقون قائلا: قاقون معروفة بـ"حامية الساحل"، قرية ساحلية زراعية مزدهرة تشتهر بزراعة القمح والشعير والبطيخ والشمام والخضار، وكان أهلها يعتمدون على الأرض كمصدر رئيسي للحياة. كما ضمت مدرسة "قاقون الأميرية" التي وصفها بأنها من أرقى مدارس القرى المحيطة، محاطة بالأشجار وتضم ساحة كبيرة وماتور مياه، ويدرس فيها سبعة معلمين الى جانب المدير من طولكرم ومختلف بلداتها".

وبعد رحلة نزوح طويلة تنقل خلالها بين شويكة وبيت وزن والأغوار للعمل في الزراعة، سافر أبو دية إلى الكويت عام 1954، وعمل في الصحة العامة ثم الأشغال العامة، قبل أن ينتقل إلى مجال الطيران كمجهز للطيران الأرضي حتى عام 1987، حين عاد إلى فلسطين ليستقر في مخيم طولكرم.

هناك، بنى منزلا من ثلاثة طوابق ليضم أبناءه وأحفاده، بعدما اشترى البيت أساسا من أجل والديه، لكن المنزل الذي شكل ملاذا للعائلة لعقود، لم يسلم من العدوان الإسرائيلي الأخير على المخيم.

واليوم، في ذكرى النكبة، التي تتكرر فصولها بصورة أكثر عنفا، في مخيمات شمال الضفة "طولكرم ونور شمس وجنين"، حيث باتت آلة العدوان الإسرائيلية تمارس ذات سياسات الاقتلاع والتدمير، لكن هذه المرة داخل بيوت اللاجئين الذين شُرّدوا في النكبة الأولى.

فمع اجتياح مخيم طولكرم في 27 كانون الثاني/ يناير 2025، اضطر أبو دية وعائلته إلى الخروج والنزوح مرة أخرى من منزله في حارة الحمام، في مشهد أعاد إلى ذاكرته لحظة الخروج الأولى من قاقون.

"وصلتنا أخبار بأن آليات الاحتلال في طريقها الى المخيم، فخرجت مع عائلتي دون أن نصطحب شيئا، على أمل أن نعود، وذهبنا إلى منزل ابني أحمد خارج المخيم، لكن للأسف لم نعد حتى الآن" يقول.

لم يكن منزل العائلة مجرد بناء سكني، بل مساحة جمعت أبناءه المتزوجين وأحفاده، قبل أن تطاله أعمال التجريف والهدم التي نفذها الاحتلال داخل المخيم، ما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة منه، بينها الدرج الرئيسي، وإلحاق أضرار كبيرة جعلته غير صالح للسكن مع صعوبة حتى الدخول إليه.

وتحولت معاناة أبو دية إلى صورة تختصر ما عاشته أكثر من خمسة آلاف عائلة في مخيمي طولكرم ونور شمس، حيث أجبر السكان على مغادرة منازلهم تحت التهديد، تاركين وراءهم مقتنياتهم وأرزاقهم، فيما تعرضت منازل ومحال وبنية تحتية لعمليات هدم وحرق وتجريف واسعة غيرت من المعالم الجغرافية للمخيمين.

وعن الحياة في مخيم طولكرم قبل العدوان يقول أبو دية: إن أهالي المخيم كانوا يدا واحدة، يتقاسمون الخير والحياة اليومية، لكن العدوان فرقهم وشتتهم في أماكن مختلفة.

ويضيف بحسرة "لم نعد نرى بعضنا إلا بالصدفة"، مشيرا إلى أن سكانه منعوا من العودة إلى منازلهم أو حتى إخراج احتياجاتهم الأساسية.

ورغم تقدمه في العمر، ما يزال أبو دية متمسكا بارتداء الحطة والعقال والثوب "الدشداشة"، كأنهما جزء من هوية يخشى عليها من الضياع، ويحمل في ذاكرته أسماء عائلات قاقون وأراضيها وأهلها الذين تفرقوا بين المنافي والمخيمات.

وفي رسالته للأجيال القادمة، يؤكد أن الوحدة هي السبيل لتحرير الوطن وتحقيق حلم العودة، قائلا: "نأمل أن يتغير الحال لأحسنه، وأن نعود إلى بلادنا التي هُجرنا منها".

قصة أبو دية ليست مجرد حكاية لاجئ مسن، بل شهادة حية على نكبة ممتدة، بدأت من قاقون عام 1948، وتتكرر فصولها اليوم في مخيمي طولكرم ونور شمس، حيث ما يزال الفلسطيني يحمل مفتاح البيت ذاته، وينتظر العودة نفسها، مهما طال الزمن.

ـــــــ

هـ.ح/ م.ع

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا