أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 21/04/2026 05:57 م

الطريق الذي فقد الأمن على جانبيه


الأغوار 21-4-2026 وفا- الحارث الحصني

في ليلة هادئة من ليالي الأغوار الشمالية، وبينما كان المواطنون من العائلات الفلسطينية التي تسكن في عين الحلوة قد خلدوا إلى نوم حذر، كان مستعمرون يهدمون مدرسة المالح والمساكن المحيطة بها في حمامات المالح بالشريط الشرقي لمحافظة طوباس.

ليست المسافة كبيرة بين التجمعين، ويمكن تقديرها بالعين المجردة بمسافة لا تتعدى خمسة كيلومترات.

كان هدم المدرسة في ليلة الحادي والعشرين من شهر نيسان الحالي، إعلانا واضحا وصريحا بدخول مقطع مهم من الطريق الواصل بين طوباس والأغوار الشمالية في وحشة دائمة.

حسب الأرقام الرسمية لمديرية التربية والتعليم، كان في المدرسة العام الماضي 70 طالبا، تناقص العدد إلى ثلاثين بداية العام الدراسي الحالي، ثم إلى 16، ثم إفراغها، بالتزامن مع مواصلة العائلات الفلسطينية الرحيل قسرا من الأغوار الشمالية بسبب اعتداءات المستعمرين.

وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 23827 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرون خلال العام الماضي بحق المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف المحافظات، في رقم قياسي يعكس انتقال سياسات الاحتلال من إدارة السيطرة إلى فرضها كمنظومة حكم قسرية مكتملة الأركان.

وتُظهر المعطيات أن المستعمرين نفذوا 4723 اعتداءً، إلى جانب 720 اعتداءً نُفذت بشراكة مباشرة بين الطرفين، الأمر الذي يؤكد أن إرهاب المستعمرين لم يعد فعلاً هامشياً أو خارجاً على سيطرة الدولة، بل جزءاً عضوياً من سياسة رسمية توفّر له الغطاء والحماية، وتوظفه كأداة ميدانية لتوسيع السيطرة على الأرض وفرض وقائع لا رجعة عنها.

ليس الهدم الذي طال صرحا تعليميا كان يعول عليه كثيرا في تثبيت الوجود الفلسطيني في الأغوار الشمالية هو الأكثر إيلاما. وبالرغم من أن هدم المدرسة هو آخر الاعتداءات التي نفذها المستعمرون، فإن الخطر الذي ولّده هذا الهدم يتعدى هذا الحد.

ولتبسيط المعطيات قليلا، هذا المقطع من الطريق الذي يبدأ من حاجز تياسير العسكري شرق طوباس، وحتى مفترق عين الحلوة في الأغوار الشمالية، كان في فترة ماضية (حتى قبل ثلاث سنوات تقريبا)، مبتهجا بالوجود الفلسطيني الكثيف.

فعلاوة على انتشار خيام المواطنين ومساكنهم في تجمعات (البرج، والميتة، وحمامات المالح، وأم الجمال)، كانت مشاهد انتشار قطعان ماشية الفلسطينيين، وأصوات الرعاة تمنح المارين منه شعورا بالأمان المطلق.

ومع دخول الأغوار الشمالية كلها في معادلة جديدة أنتجها إرهاب المستعمرين، أصبح هذا المقطع من الطريق خاليا من الفلسطينيين بشكل كامل.

وحسب تقرير صادر عن مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم"، فإن حوالي 41 عائلة فلسطينية تضم حوالي 152 فردا قد أُجبرت على الرحيل عن هذه التجمعات.

يقول عايد زواهرة أحد الذين أُجبروا على الرحيل من تجمع "الميتة" قبل شهرين باتجاه منطقة أخرى في الأغوار الشمالية: "قبل انتشار المستعمرين والبؤر الاستعمارية بالقرب منّا، لم نكن نشعر بخوف أثناء مرورنا بجانب الطريق".

كانت المركبات الفلسطينية لا تنقطع من هذا الطريق. أضاف الرجل.

منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023، أدت الهجمات العسكرية الإسرائيلية وعنف المستعمرين في الضفة الغربية حسب "بتسيلم"، إلى تهجير سكان على نطاق لم يسبق له مثيل منذ احتلال الضفة في عام 1967.

حتى 16 آذار 2026، هجّرت إسرائيل 59 تجمّعًا فلسطينيًا يبلغ عدد سكانها أكثر من 4,003 أشخاص، من مواقع إقامتها في مناطق مُصنَّفة على أنها (ب) و(ج)، وتمّ تهجير 507 أشخاص آخرين من منازلهم في 16 تجمّعًا تعرضت للتهجير بشكل جزئي. وهناك 9 تجمعات أخرى، على الأقل، تمّ تهجيرها قبل 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

أفضى هذا التهجير الذي طال التجمعات بالكامل في الأغوار الشمالية، إلى تحول سريع في المظاهر التي كانت تسود الشارع الحيوي.

يمكن قياس هذا التحول من خلال المعاينة، وسماع مشاهدات حية من مواطنين وتجار وحقوقيين مهتمين بشؤون الأغوار.

ضمن طابور طويل، ينتظر عبد الله دراغمة دوره لاجتياز حاجز عين شبلي، المقام عند المدخل الشرقي لقرية عين شبلي بالأغوار الوسطى، قاصدا مكان عمله في الأغوار الشمالية. ولو عبر دراغمة حاجز تياسير والطريق الذي بعده لوفّر على نفسه الجهد والوقت والتكلفة. لكنه قال لـمراسل "وفا": أشعر بأمان نسبي عندما أستخدم الطريق من بعد حاجز عين شبلي وصولا إلى الأغوار الشمالية، مقارنة بالطريق الذي يأتي بعد حاجز تياسير.

تجار ومواطنون آخرون قالوا كلاما مشابها لذلك.

تعطي هذه الشهادات تصورا حقيقيا عن حجم التحول الكبير في هذا الطريق. لكن رغم ذلك، ما زالت هناك حركة بسيطة للمواطنين الذين يستخدمونه.

قال فارس فقها: "أحيانا أستخدم هذا الطريق (..)، إن انعدام الوجود الفلسطيني، وانتشار المستعمرين أمر مخيف".

فقها ذاته يقارن بين مرحلتين مختلفتين لهذا الطريق. يقول: "قبل سنوات كانت عشرات المركبات الفلسطينية تستخدم هذا الطريق يوميا، اليوم تناقص العدد كثيرا".

يمكن اختزال الوصف الذي أصبح عليه الطريق، بأنه طريق فاقد للأمان.

يقول زواهرة: "كنّا نستخدم الطريق طوال الوقت دون خوف، اليوم صار التنقل للضروريات".

هذا الخوف الذي أصبح يغطي الطريق هو نتاج عدد من البؤر الاستعمارية، واقتحامات المستعمرين المتكررة للتجمعات الفلسطينية التي أُجبرت على الرحيل على دفعات في أوقات سابقة من الأعوام القليلة الماضية.

فبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، ففي طوباس حتى نهاية 2025 تسع مستعمرات و15 بؤرة استعمارية.

مع تغول المستعمرين في الأغوار الشمالية، وتناقص مستمر للعائلات الفلسطينية المتبقية في التجمعات البدوية في الأغوار الشمالية (باستثناء قرى بردلة، وكردلة، وعين البيضاء)، ليس بعيدا أن تصبح كل الطرق الواصلة بين طوباس والأغوار الشمالية موحشة.

ـــــ

/ع.ف

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا