أهم الاخبار

إيمان المغير.. رياضة نسوية من قلب خيام النزوح

 

غزة 20-4-2026 وفا- محمد دهمان

لم تكن إيمان محمد المغير (33 عاما) تتخيل يوما أن يتحول مشروعها الذي بنته بسنوات من الجهد إلى ركام، ولا أن تصبح الخيمة التي نزحت إليها في مواصي خان يونس بديلاً عن نادٍ رياضي (جيم متكامل كانت تديره في رفح. لكن، بين الخسارة والبداية من جديد، اختارت المغير أن تقاوم بطريقتها.. بالرياضة.

المغير، الحاصلة على درجة الماجستير في التربية الرياضية وطالبة الدكتوراة، بدأت رحلتها المهنية عام 2017 عندما افتتحت أول نادٍ رياضي نسائي في قطاع غزة تحت اسم كروس فيت جيم (Cross Fit Gym)، مستهدفة النساء في مجتمع يفتقر إلى مثل هذه المساحات الآمنة والمخصصة لهن. ومع نجاح التجربة، وسّعت مشروعها في عام 2022 بافتتاح نادٍ رياضي أكبر وأكثر تطورًا، بتكلفة تجاوزت 200 ألف دولار.

كان النادي الجديد، بحسب وصفها، حلمًا تحقق، إذ ضم صالة حديد، وقسما للياقة البدنية، وصالة ترامبولين، وغرفة مساج، وقسما للمكملات الغذائية، واستراحة للمشتركات، إلى جانب تجهيزات حديثة جعلت منه مركزا متكاملا للصحة واللياقة، إضافة إلى تقديم تمارين اليوغا والاسترخاء والتأمل.

وتضيف: كان النادي بيتي الثاني.. المكان الذي أهرب إليه من ضغوط الحياة، ومصدر رزقي الذي ساعدني على استكمال دراستي العليا.

ولم يقتصر دور النادي على كونه مساحة رياضية، بل تحوّل إلى مركز علاجي وترفيهي، حيث استقبل حالات مرضية كانت تُحال من أطباء، مثل خشونة الركب وآلام الظهر وتكيس المبايض، إلى جانب دوره في تمكين النساء بدنيا ونفسيا. كما أسهم في تدريب مدربات، ومنحها حضورا مهنيا واسعا، لتصبح عضوا في الاتحاد الفلسطيني لكمال الأجسام واللياقة البدنية، وتحصل على لقب مدرب عربي.

قبل الحرب، كان الإقبال على النادي “كبيرًا جدًا”، كما تقول المغير، خاصة أنه مخصص بالكامل للنساء، ويعمل لساعات طويلة تناسب العاملات وربات البيوت على حد سواء.

لكن هذا النجاح لم يصمد أمام آلة الحرب.

تستعيد المغير لحظة تلقيها خبر تدمير النادي قائلة: كنت نازحة في مواصي رفح عندما وصل إلي الخبر… كان أصعب خبر بعد نزوحنا، فقد شعرت وكأن روحي خرجت من جسدي. وتضيف أنها دخلت في حالة صحية ونفسية صعبة، وما زالت حتى اليوم غير قادرة على استيعاب ما حدث: أشعر أحيانًا أن ما جرى مجرد حلم.

الخسارة لم تكن معنوية فقط، بل مادية أيضا، إذ فقدت النادي بالكامل بما يحتويه من معدات وتجهيزات، من بينها أرضيات خاصة آمنة بلغت قيمتها نحو 12 ألف دولار، إضافة إلى أجهزة الحديد واللياقة، وأدوات المساج، والأثاث، وقسم المكملات، ومتجر الملابس الرياضية، فضلًا عن معدات مخزنة لم تُستخدم بعد. وتقدّر حجم خسارتها بأكثر من 200 ألف دولار.

ومع النزوح إلى مواصي خان يونس، واجهت المغير واقعا قاسيا، تصفه بأنه حياة لا تليق بالبشر، مضيفة: "في كثير من الأيام كنت أنام وأنا أبكي ورغم ذلك، لم تتخلَّ عن شغفها.

تقول: فكرة تحويل الخيمة إلى نادٍ رياضي راودتني منذ البداية، لكنها بدت مستحيلة بسبب ضيق المساحة وقلة الإمكانيات. إلا أن إصرار النساء اللواتي كنّ يتدربن لديها قبل الحرب، وتواصلهن المستمر معها، دفعاها إلى إيجاد حلول بديلة.

بدأت المغير بتصوير مقاطع تدريبية من داخل خيمتها، مستخدمة أدوات بسيطة من البيئة المحيطة، مثل علب المساعدات الغذائية، وقارورات المياه، وعصي الخيام، وأنبوبة الغاز، والأحجار، وحتى عصا المكنسة. وتوضح: حاولت أن أُثبت أن الرياضة ممكنة في أي مكان، حتى في أصعب الظروف.

اليوم، تعتمد في تدريباتها على مساحة صغيرة بجانب الخيمة، وبعض الأدوات البدائية، في ظل تحديات كبيرة، أبرزها ضيق المكان، وانقطاع الكهرباء والإنترنت، ورداءة الأرضية.

وتؤكد أنها تتعامل مع نقص المعدات بالإبداع، قائلة: أستبدل بالدمبلز قوارير معبأة بالرمل، وبالستيب حجرا، وبالبار عصا الخيمة.

ورغم الضغوط النفسية والتعليقات السلبية التي تتلقاها أحيانا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تواصل المغير عملها، معتبرة أن ما تقدمه محتوى رياضي ترفيهي وعلاجي مفيد لكل أفراد المجتمع.

ولعدم قدرتها على استئجار مكان أو تجهيز نادٍ رياضي جديد بسبب التكاليف المرتفعة، لجأت إلى الفضاء الرقمي، حيث أنشأت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لتقديم تمارين رياضية ونصائح صحية.

تقدم المغير عبر هذه المنصات تمارين علاجية، وتمارين مقاومة لبناء العضلات، وتمارين لياقة وكارديو، إلى جانب إرشادات تساعد النساء على تخفيف آلام الظهر والرقبة والشد العضلي، والحفاظ على صحتهن في ظل ظروف النزوح.

وقد لاقت هذه المبادرة تفاعلًا واسعًا، داخل غزة وخارجها، إذ تلقت دعما كبيرا، وطلبات مستمرة للاستمرار، بل حتى دعوات لإعادة إنشاء نادٍ رياضي ولو بإمكانيات بسيطة بدل التدريب عن بُعد.

وتقول إن النساء اللواتي يتدربن معها يشجعنها على الاستمرار وعدم الالتفات إلى التعليقات السلبية، كما يطلبن منها تقديم بدائل للأدوات الرياضية، مشيرة إلى أن كثيرات عبّرن عن سعادتهن بإمكانية ممارسة التمارين باستخدام أدوات بسيطة من المساعدات.

وترى المغير أن ما تقدمه يتجاوز الرياضة، ليصل إلى الدعم النفسي، موضحة: الرياضة أصبحت وسيلة لتفريغ الطاقة السلبية… النساء يشعرن أن هذه الساعة التي يتدربن فيها هي مساحة للهروب من ضغط الحياة.

وتضيف أن هذه التجربة أعادت إليها الأمل: علّمتني أننا قادرون على النهوض من جديد، حتى من لا شيء.

وفي هذا السياق، تقول الشابة كارول محمد (38 عامًا)، وهي من سكان رفح ونازحة حاليًا في مواصي خان يونس، إنها تعرفت إلى المدربة إيمان المغير منذ ما قبل الحرب، واعتادت التدريب في النادي الخاص بها، واستمرت معها حتى بعد إغلاقه من خلال متابعة التمارين عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتوضح كارول أنها تحرص على مشاهدة جميع مقاطع التدريب وتطبيقها داخل خيمتها، مشيدة بأسلوب المغير المشجع والمرن، وقدرتها على مراعاة الفروق الفردية بين المتدربات. وتضيف: البيئة التي تخلقها مريحة ومحفزة، وتمارينها متنوعة ولها نتائج واضحة، سواء على صعيد اللياقة أو العلاج.

وتشير إلى أنها شعرت بدعم واهتمام واضحين من المدربة، التي تتابع أداء المشتركات وتقدم لهن ملاحظات فردية، مؤكدة أن ذلك ساعدها على الاستمرار وتحسين أدائها. كما لفتت إلى أن المغير لا تهتم فقط بالجانب الجسدي، بل تولي أهمية كبيرة للحالة النفسية للنساء.

وتتابع كارول: ما يميز إيمان هو قدرتها على الاستمرار رغم كل الظروف، وخلق بيئة آمنة ومحفزة داخل الخيمة، بطاقتها الإيجابية وإصرارها الذي يمنحنا دافعًا للاستمرار.

وتستذكر كيف ساعدتها التمارين على التعافي من إصابة في يدها تعرضت لها خلال الحرب، موضحة أن نصائح المدربة والتمارين الخاصة التي قدمتها لها ساهمت في تحسن حالتها بشكل ملحوظ.

بدورها، تقول الشابة تسنيم يونس (31 عاما)، النازحة من رفح والمقيمة حاليا في النصيرات، إنها تعرفت إلى المدربة إيمان المغير من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب معرفة شخصية سابقة بها.

وتضيف: الرياضة بالنسبة إلي أسلوب حياة، ولا أستطيع التوقف عنها مهما كانت الظروف، مشيرة إلى أن التمارين التي تقدمها المغير ساعدتها على تخفيف الضغوط النفسية وتعزيز ثقتها بنفسها.

وتصف تجربتها مع المدربة بأنها رائعة ومثمرة، مؤكدة أن المغير تقدم ما لديها بعلم وخبرة وحب، وأن التمارين ساعدتها على تجاوز جزء من القلق والاكتئاب الناتجين عن الحرب.

وتوجه تسنيم رسالة إلى النساء، تدعوهن فيها إلى استغلال أي فرصة لممارسة الرياضة، حتى في أبسط الظروف، لما لها من دور في تحسين الصحة النفسية والجسدية.

وتوجّه المغير رسالة إلى نساء غزة تقول فيها: رغم كل ما مررنا به، نحن ما زلنا قادرات على الاستمرار… الرياضة ليست فقط لياقة، بل وسيلة صمود وقوة.

أما عن طموحاتها، فتؤكد أنها تحلم بإعادة بناء نادٍ رياضي متكامل كما كان في رفح، يضم كل الإمكانيات الرياضية والعلاجية والترفيهية، ليكون مجددا مساحة آمنة للنساء.

وتختم حديثها بإصرار: لم أفقد الأمل… سأعود وأبدأ من جديد.

وبين خيمة النزوح وأحلام العودة، تواصل إيمان المغير رحلتها، حاملة رسالة مفادها بأن الحياة، حتى في أقسى الظروف، يمكن أن تُصنع من جديد.

ــــــــــ

م.د/ ف.ع

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا