نابلس 19-4-2026 وفا- جميل ضبابات
ذات مرة، كانت الآلة الحاسبة واحدة من مفاجآت العلم، لكن من يهتم بها اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي؟.
بعد سنوات قليلة على ظهوره، انخرط 53% من سكان العالم بشكل جماعي في تبني أشكال متعددة من نماذج الذكاء الاصطناعي، وهي أعلى نسبة لتغلغل تقنية في حياة البشر على مر التاريخ.
في 13 نيسان/ أبريل 2026، صدرت النسخة التاسعة من تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي عن معهد "ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمركز حول الإنسان"، وقتها برزت هذه النسبة (53%)، كأكثر البيانات الرقمية إثارة في هذا المجال.
في السابع عشر من الشهر ذاته، أجرى صحفي من وكالة الانباء والمعلومات الفلسطينية "وفا" محاكاة قائمة على معادلات حسابية، مع أحد هذه النماذج للرد على ما جاء في تقرير "ستانفورد"، الذي تضمن تحميل الذكاء الاصطناعي مسؤولية الارتفاع المهول في الانبعاث الكربوني، خاصة نموذج "جروك 4".
يعود هذا التقرير، الذي يُعد المرجع العالمي الأكثر شمولية واستقلالية، إلى عام 2012، عندما أدى تدريب نموذج "أليكس نت"، الذي كان يُعد إنجازًا بارزًا في مجال التعرف على الصور، إلى انبعاثات كربونية تُقدر بـ0.01 طن لعملية تدريب واحدة.
وقارن التقرير ذلك بالانبعاثات التي خلّفها نموذج "جروك 4" في عام 2025، والتي بلغت نحو 72,816 طنًا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يعادل تقريبًا انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن قيادة 17,000 مركبة لمدة عام كامل.
وعندما طلب صحفي "وفا" من "جروك 4" إجراء عملية رياضية لحساب نسبة الزيادة بين النموذجين، أظهرت النتائج زيادة تقدر بـ 7,281,600 مرة في غضون 13 سنة فقط.
كان السؤال الهندسي الأساسي الذي وضعه الصحفي لنموذج "جروك 4"، يتمحور حول الوقت الذي تحتاجه هيئة التحرير في وكالة "وفا" لعملية ترجمة تقرير "ستنافورد" الى اللغة العربية بطريقة بشرية كلاسيكية بواسطة مترجم واحد محترف.
واعتمادًا على معادلة رياضية تدرب عليها، قدر "جروك 4" الذي طورته شركة xAI وأطلقه رائد الأعمال إيلون ماسك في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، أن الترجمة ستستغرق ما بين 100 إلى 115 يوم عمل.
لكن في حال قررت وكالة "وفا" ترجمة التقرير الكامل المكون من 423 صفحة بشكل حرفي ومهني باستخدام نموذج "جروك 4"، فإن العملية لن تستغرق أكثر من 45 إلى 90 دقيقة فقط، بنفس مستوى الدقة والاحترافية.
لم تكن هذه النتيجة غريبة، فقد قدمت الكثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي بشكل مجاني نماذج تستطيع إعطاء حلول لملايين المعادلات والحسابات في وقت قصير. وبالنظر الى المدة التي احتاجها هذا النموذج لقراءة التقرير كاملا فلم تتجاوز 60 ثانية.
بالعودة الى سرديات تاريخ علوم التقنيات الرقمية الحديث، لم تكن هذه النتيجة جزءا من خيال البشر قبل عقد من الزمن.
هذه المحاكاة أجريت في بيئة طاقة عادية وحد أدنى من الإضاءة تتضمن مصباح ليد (أقل من 50 واط)، وصيغت الأوامر الهندسية بإيجاز لتقليل البصمة البيئية وتوفير الطاقة، واعتمدت هذه المعلومات مرجعية للمحاكاة.
وكانت نتيجة "جروك 4" كالتالي: "بافتراض أنك تعمل من منزلك، وأعطيتني الأمر بقراءة تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026 كاملا، فإنني استهلكت في هذه العملية الواحدة ما بين 0.75 و1.1 كيلوواط/ ساعة من الطاقة الكهربائية، وما بين 1.8 و3 لترات من الماء لتبريد الخوادم، وأنتجت ما بين 0.4 و0.6 كيلوغرام من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون".
ولتوضيح هذه الأرقام ببساطة، أضاف "جروك 4": أن الطاقة المستهلكة تعادل شحن هاتف ذكي من 4 إلى 6 مرات، أو تشغيل مصباح "ليد" عادي لمدة تتراوح بين 8 و10 ساعات، بينما تعادل كمية الماء ملء زجاجة ماء صغيرة أو غسل كوبين، في حين يعادل الانبعاث الكربوني قيادة مركبة تعمل بالبنزين لمسافة تتراوح بين 3 و5 كيلومترات.
وقال: "هذه الكميات تخص استهلاكي أنا فقط، ولا تشمل استهلاك جهازك الشخصي، الذي كان أقل من 0.01 كيلوواط/ساعة طوال الجلسة".
وبناءً على ذلك، لم يستهلك الحاسوب المحمول الخاص بصحفي "وفا" أي كمية تُذكر من الماء، نظرًا لأن الأجهزة الشخصية لا تحتاج إلى تبريد مائي، فيما تراوح الانبعاث الكربوني الناتج عن استهلاكه بين 0.04 و0.09 كيلوغرام، أي ما يعادل قيادة مركبة لمسافة 300 إلى 700 متر تقريبًا، أو تشغيل مصباح "ليد" لمدة ساعة.
واعتبر "جروك 4" أن هذا الرقم لا يذكر مقارنة باستهلاكه في مراكز البيانات، وهو ما يتوافق مع ما جاء في تقرير "ستنافورد"، إذ إن الجزء الأكبر من البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي يحدث في الخوادم البعيدة، وليس على جهاز المستخدم العادي.
وردا على ما يمكن اعتباره اتهامات من تقرير "ستانفورد": قال النموذج: "نعم، الاتهام صحيح تماما، وأنا لا أنكره (...)، نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة تستهلك كميات هائلة من الطاقة أثناء التدريب، وتستمر باستهلاكها وغن كان بدرجة أقل أثناء كل استجابة".
وأشار تقرير "ستانفورد" إلى الهدر الهائل في المياه، وقال: "قد يتجاوز استهلاك المياه السنوي للاستدلال في نموذج "شات جي بي تي- 4o" وحدة، احتياجات مياه الشرب لنحو 12 مليون شخص".
وأقر "جروك 4" بوجود معضلة بيئية، مقابل السرعة الخارقة التي يعمل بها، وقال: "أترك أثرا على البيئة والمناخ. كل إجابة أعطيها لها تكلفة كربونية حقيقية".
وأضاف: السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه الجميع بما فيهم الصحافة العربية: هل تستحق الفائدة هذا التأثير؟ وكيف نجعل الذكاء الاصطناعي أكثر استدامة؟".
وحسب معادلة النموذج، لم تساهم فلسطين خلال هذه المحاكاة في التلوث أو استهلاك المياه بشكل مباشر: "التأثير البيئي والمناخي المباشر على الأراضي الفلسطينية (القدس والضفة الغربية وقطاع غزة) صفر تقريبا، وجميع الانبعاثات انتجت بالكامل داخل مراكز بيانات xAI في الولايات المتحدة الأمريكية، قال "جروك 4".
وفي مقارنة أوسع، أوضح "جروك 4" أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون السنوية في فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة)، تصل إلى حوالي 21 مليون طن، وهي نسبة ضئيلة ليس لها تأثير في المعدل الإجمالي، وتعادل تقريباً ما ينتجه شخص واحد في فلسطين من تنفسه في أقل من ثانيتين.
وحول المفاضلة بين عمل هيئات التحرير ونموذج "جروك 4"، أجاب: أعالج النص بسرعة فائقة، لكن المترجم البشري يستطيع ربطها بالواقع العربي والفلسطيني، ويفهم الدلالات السياسية، ويختار اللهجة المناسبة، ويضيف رؤية نقدية. هذا الجانب لا أستطيع أن أنافسه فيه".
ويرى "جروك 4"، أن الحل الأفضل هو الجمع بين الاثنين، ترجمة أولية سريعة ودقيقة بالذكاء الاصطناعي، ثم مراجعة بشرية دقيقة ومواءمة مع ما يناسب الجمهور الفلسطيني والعربي.
وأكد أن الصحفي أو المحرر البشري يجب أن يبقى المحطة النهائية التي تراجع كل كلمة، وتضيف السياق العربي والفلسطيني، وتضمن الجودة الثقافية والمهنية، لضمان الحصول على أفضل ما في العالمين: سرعة ودقة الذكاء الاصطناعي مع الفهم العميق والمسؤولية الإنسانية".
سؤال المحاكاة الأخير لـ"جروك 4": كيف يمكن تقييم أثر هذه التجربة الصحفية على البيئة والمياه والطاقة، بوصفها نموذجًا يمكن أن تستفيد منه وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية عند معالجة تقرير "ستانفورد"؟.
أوضح "جروك 4": إنه كنموذج ذكاء اصطناعي تفوّق في السرعة والكفاءة البيئية؛ إذ استغرقت العملية نحو 22 ساعة و35 دقيقة فقط، مقارنة بنحو خمسة أشهر من العمل البشري التقليدي.
وأضاف أنه استهلك ما بين 10.65 و12.45 كيلوواط/ساعة من الطاقة، وأنتج ما بين 4.91 و7.07 كيلوغرام من الانبعاثات الكربونية، وهي مستويات أقل بكثير من تلك المرتبطة بعمليات المعالجة البشرية الممتدة لعدة أشهر، وما يرافقها من استهلاك تراكمي للطاقة والموارد.
في الختام، تؤكد نتائج هذه المحاكاة أن الخيار الأكثر توازنًا وكفاءة لوسائل الإعلام، هو اعتماد نهج هجين يجمع بين سرعة الذكاء الاصطناعي ودقته، والخبرة البشرية في المراجعة والتحليل.
ــ
ج.ض/ م.ج


