غزة 18-6-2026 وفا- سامي أبو سالم:
لم نستطع الانطلاق من أقصى شمال قطاع غزة، لأن الاحتلال قضم هذا الجزء الممتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب (12 كلم)، بأعماق متفاوتة باتجاه الجنوب، لتصبح المنطقة "صفراء".
تركنا أرضا قاحلة كانت تُعرف بمدينة بيت حانون وقريتها الصناعية وقرية أم النصر (66 ألف نسمة)، إضافة إلى معظم مدينة بيت لاهيا وأجزاء من مدينة جباليا ومخيمها.
يبعد الخط الأصفر عن مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا حوالي 300 متر، مقتطعًا خلفه نحو 4 كلم باتجاه الشرق، تشمل مناطق سكنية وزراعية ومصانع محلية ومدارس ومستشفيات وطريق صلاح الدين الرئيس.
ومن أعلى بقايا منزل شاهدنا عدة مجنزرات لا تزال تجوب منطقة "تل الزعتر" المدمرة، تعلوها مواقع عسكرية إسرائيلية جديدة، فيما بدت حفارات وشاحنات تنقل الركام إلى أماكن أخرى.
ورغم أن المستشفى ليس ضمن المنطقة الصفراء، فإن إطلاق النار والاستهدافات تداهم المنطقة في انتهاك مستمر، كما قال سكان هناك. فبعد إعلان وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عادت عائلات إلى ما تبقى من بيوتها؛ بعضهم أصلح ما يمكن إصلاحه، وآخرون نصبوا خيامًا بجوار الركام.
لكن، وبسبب استمرار الخروقات الإسرائيلية من قتل وتدمير، قررت بعض العائلات العودة إلى حياة النزوح في الخيام، مثل عائلة الزوارعة التي قتل الاحتلال طفليها سلمان (14 عاما) ومحمد (15 عاما).
وقال يوسف الزوارعة (45 عاما) إن ابنه محمد وزكريا ابن أخيه كانا يبعدان 300 متر على الأقل عن الخط الأصفر عندما قتلتهما طائرة مسيّرة إسرائيلية في يناير/كانون الثاني 2026.
وقررت العائلة العودة للعيش بجوار أقارب لها في قرية الزوايدة وسط القطاع، "لأن وقف إطلاق النار مجرد أكذوبة"، وفق ما قاله محمد.
وصلنا مخيم جباليا المحاذي للمستشفى، إذ بات نصف المخيم وامتداداته الشرقية والشمالية منطقة "صفراء". وهناك مناطق حيوية داخل المخيم لم يشملها الخط الأصفر، إلا أن الوصول إليها يعني الموت المحتم، مثل سوق المخيم ومركز الشرطة وعيادة الأونروا الرئيسة ومستشفى اليمن.
وقال غازي عواد (66 عاما)، نازح في مدرسة تابعة للأونروا، إن المدرسة تبعد عن الخط الأصفر نحو 400 متر، لكن لا أمان، "فقد يقتل أي مواطن في أي وقت".
وأضاف أن 4 مواطنين استشهدوا يوم الأحد (14 يونيو الجاري) في قصف إسرائيلي قرب مستشفى اليمن المجاور، كما استشهد الأسبوع الماضي 3 مواطنين بينهم كهل من عائلة أبو دان وطفل من عائلة سلمان في قصف قرب المستشفى أيضا.
وقتلت قوات الاحتلال أكثر من ألف مواطن في قطاع غزة منذ إعلان وقف إطلاق النار، وفق مصادر طبية.
وكان المخيم يشتهر بحيويته بسبب كثافته السكانية (119 ألف نسمة على مساحة 1.4 كلم مربع وفقًا للأونروا)، لكنه بات اليوم شبه خالٍ مقارنة بما كان عليه سابقًا. مواطنون يبحثون عن المياه، بعضهم يحمل غالونات لتعبئتها، وآخرون يصلحون خراطيم مثقوبة، وغيرهم يتخلصون من جرذان تم اصطيادها.
لم نستطع التوجه جنوبا عبر طريق صلاح الدين، التي لا تزال خلف الخط الأصفر في منطقة جباليا ومخيمها، فسلكنا طرقًا التفافية داخلية للوصول إلى المربع السكني "الجُرن" جنوبًا في جباليا البلد، بعد أن نصحنا مواطنون بعدم التقدم.
وقال محمد النادي، أحد سكان المنطقة: "هناك عائلات استشهدت ولا تزال تحت الأنقاض، ولا يجرؤ أحد على انتشالهم لشدة الخطر".
وكانت قوات الاحتلال قد قصفت عدة منازل مأهولة في منطقة الجرن، منها منزل إسماعيل خضر، ما أدى إلى استشهاد 42 فردًا من العائلة الممتدة في يونيو/حزيران 2025.
وقال معين خضر: "33 جثمانًا، بينهم 7 أطباء و5 مهندسين و3 ممرضات و3 مدرسات وبروفيسور صحة عامة، لم نستطع انتشالهم، ومن يقترب من المنطقة يتعرض لإطلاق النار".
ثم اتجهنا غرب المخيم، مررنا بمنطقة أبراج الصفطاوي المهشمة الفاصلة بين مدينتي غزة وجباليا، وعلى جانبي الطريق بدت البيوت السليمة كأنها حلم بعيد.
انطلقت بنا عربة تجرها مركبة تعمل بزيت الطبخ بسبب شح الوقود، واخترقنا شارع الجلاء المتخم بالحفر والدمار على الجانبين.
وحاولنا الالتفاف شرقا عبر شارع الصحابة للوصول إلى مفرق "السنافور" على طريق صلاح الدين في حي التفاح (الاثنين 15 يونيو)، فصادفنا عائلات تهرب من بيوتها، بعضهم على عربات تجرها الدواب أو سيارات وشاحنات، يحملون أطفالهم وأغراضهم الأساسية: طحينًا وبراميل ماء وفرشا وحفاضات وأنابيب غاز وبعض الطعام.
وقال معتصم شاتيلا إنه يهرب مع عائلته من منطقة "السنافور" بأوامر من قوات الاحتلال.
"تعرضنا لإطلاق نار كثير، وطائرات مسيّرة أمرتنا بإخلاء المنطقة. لقد حركوا الخط الأصفر إلى وسط شارع صلاح الدين، فأصبح قريبًا من البيوت بنحو 10 أمتار"، قال شاتيلا.
عدنا إلى شارع الجلاء، حيث استصلح مواطنون شققا وبيوتا ونصبوا خياما للسكن أو للتجارة، واصطف آخرون تحت الشمس الحارقة بانتظار وجبة طعام من مطبخ محلي (تكية). بعض البيوت سليمة، وأكثرها مدمر أو متضرر، وأبرزها "برج وطن" (14 طابقا) الذي تحول إلى ركام في اليوم الثاني للعدوان.
مررنا في شارع عمر المختار، حيث تحول منتزه بلدية غزة إلى مركز إيواء، فيما تحول سوق فراس التاريخي إلى مجمع نفايات، وروائح القمامة العتيقة والمحترقة تزكم الأنوف. كما مررنا بمبنى بلدية غزة المدمر، وصولًا إلى ميدان فلسطين "الساحة"، حيث يتكرر مشهد الدمار في البيوت والمحال التجارية والبنوك، فيما تحولت إحدى باحات المستشفى الأهلي العربي إلى مقبرة بعد أن دُفن فيها شهداء جراء استهداف المستشفى أكثر من مرة.
واصلنا المسير في محاولة للوصول إلى الخط الأصفر في حي الشجاعية، حيث بدت تلة المنطار في أقصى الشرق وسط بحر من الدمار، لكنها تحولت إلى نقطة خطر بعد أن أقام الاحتلال موقعا عسكريا مزودا بأجهزة مراقبة ورافعة بسلاح آلي.
اقتربنا من مفرق الشجاعية على طريق صلاح الدين، حيث دُمّر "سوق البسطات" ومئات المحال التجارية، بينما تنهش الشاحنات والمركبات المتصدعة آثار الدمار.
ولا تزال "حديقة المحطة" قرب المفرق تؤوي بعض العائلات النازحة في خيامها، فيما الحركة شبه معدومة، باستثناء بعض المارة والدراجات والعربات التي تجرها الدواب.
وتبلغ المسافة بين مفرق الشجاعية ومعبر بيت حانون نحو 9 كلم، باتت كلها منطقة محرمة، تاركة خلفها أحياء دمرها الاحتلال بشكل كامل مثل التفاح والشعف والجديدة والتركمان والشجاعية.
وقال إياد حلس (37 عاما) إن الخط الأصفر يقع على مسار سكة القطار القديمة، أي على بعد نحو 300 متر من طريق صلاح الدين، محذرًا: "لا تقتربوا هناك".
وأشار إلى أن الخط اقتطع نحو 3 كلم باتجاه الشرق، ولم يعد هناك سوى الدمار، ولا يتحرك في المنطقة سوى قلة من الأفراد.
لم يكن التنقل بالمركبات سهلًا من مفرق الشجاعية بأي اتجاه، فعدنا إلى ميدان فلسطين وسط أصوات إطلاق نار من طائرات مسيّرة إسرائيلية قرب المفرق، فاضطررنا للمرور عبر أزقة البلدة القديمة.
مررنا بكنيسة العائلة المقدسة التي كانت أحد أسباب صمود المواطنين عبر توزيع الطعام خلال المجاعة، ثم بكنيسة القديس برفيريوس التي قصفها الاحتلال وقتل فيها 17 مواطنا عندما لجأت إليها عشرات العائلات.
انطلقنا جنوبا عبر حي الزيتون، ثم عدنا إلى طريق صلاح الدين المحفوفة بالخيام والدمار. تنتشر على جانبيه ورش تصليح السيارات وصالونات الحلاقة والصيدليات وباعة قطع الغيار والحطب، جميعها تعمل من خيام أو مبانٍ مهدمة.
وحاولنا مجددا التوجه شرقا بمحاذاة الخط الأصفر، إلا أن المواطن عصام ماضي (40 عاما) نصحنا بالابتعاد، موضحا أن الخط الأصفر يسير في حي الزيتون بمحاذاة سكة القطار القديمة، أي على بعد 200 متر شرق طريق صلاح الدين، الذي يبعد بدوره نحو 3 كلم عن السياج الفاصل مع إسرائيل.
وقال ماضي إنه نزح قبل عام ويعيش الآن وسط القطاع، وقد عاد بعد إعلان وقف إطلاق النار إلى حي الزيتون ليجد منزل العائلة مدمرًا.
وأضاف: "لا مقومات حياة ولا مياه، إضافة إلى خطر دائم من إطلاق نار وقصف إسرائيلي"، مشيرًا إلى أنه فقد أعماله التجارية بعد تدمير مخزن للتبغ.
ويبلغ عدد سكان قطاع غزة 2.2 مليون نسمة، نزح منهم أكثر من مليوني مواطن داخل القطاع مرة أو أكثر، فيما يعيش نحو مليون ونصف في خيام ومراكز إيواء.
ودمر الاحتلال أكثر من 70% من البيوت والمنشآت في قطاع غزة، وفق تقارير محلية وأممية.
في الطريق جنوبا وصلنا "دوار الكويت"، الذي شهد عدة مجازر بحق الجوعى، حيث كانت شاحنات الطحين تتعرض لإطلاق نار من الدبابات الإسرائيلية خلال انتظار المواطنين للمساعدات.
واصلنا المسير جنوبا، حيث اختفت معالم الطريق وتحول كل شيء إلى ركام.
تردد السائق في الاستمرار بسبب تقارير عن إطلاق نار من مواقع عسكرية أنشأها الاحتلال شرق الطريق.
لكن بعد التأكد من سائق آخر بأن الطريق مفتوحة، واصلنا السير وسط حالة من الترقب الشديد، إذ لم يعد هناك ما يحجب المركبات عن المواقع العسكرية، وأصبح البحر ظاهرًا على الجانبين، في مشهد يعكس تضييق القطاع.
وكشفت تقارير ميدانية أن قوات الاحتلال أنشأت 39 موقعًا عسكريًا على تلال شرقي القطاع على امتداد 44 كلم.
كان الركاب يترقبون أي استهداف، فيما اقترب "الخط الأصفر" تدريجيا، متمثلا في مكعبات إسمنتية صفراء اللون وُضعت كعلامات تحذير.
وقال راعي الأغنام محمد حسين إن إطلاق النار بات شبه يومي، أحيانا للترهيب وأحيانا يؤدي إلى استشهاد مواطنين.
وأشار إلى أنه لم يعد قادرا على الوصول إلى المراعي شرقي المنطقة.
أما شرقي الخط الأصفر، فتتحرك بعض العربات وسط الغبار، قال السائق إنها ميليشيات محلية مسلحة.
وبدأ الخط الأصفر يقترب من الطريق، حتى لم يعد يفصله عن شارع صلاح الدين سوى 10 أمتار فقط، في ظل تحركات متكررة له من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.
وعند إعلان وقف إطلاق النار، كانت قوات الاحتلال تسيطر على نحو 52% من قطاع غزة، إلا أن التوسع المستمر رفع النسبة إلى نحو 60% من مساحة القطاع البالغة 365 كلم مربعا.
اقتربنا من وادي غزة، حيث أدى أحد المكعبات الصفراء إلى قصف مفاجئ أحدث دويا كبيرا، وتناثرت الرمال والشظايا في المكان.
توقف السائق قرب محطة وقود للسماح للركاب بإرسال تحويلات مالية إلكترونيا بسبب نقص السيولة النقدية، لكن طائرة مسيّرة إسرائيلية أطلقت النار في المنطقة، ما أجبرهم على المغادرة سريعا قبل إتمام العملية.
واصلنا جنوبا عبر مخيم النصيرات، ثم توجهنا شرقا عبر الطريق الترابية بين مخيمي المغازي والبريج، وهي أضيق نقطة في قطاع غزة.
المشهد كان مدمّرا بالكامل: مركبات محترقة، خيام نازحين، مصانع ومدارس مدمرة، فيما اكتظت عيادة المغازي بالمواطنين الباحثين عن مياه صالحة للشرب.
وتسبب إطلاق نار من الطائرات المسيّرة بحالة من الذعر، وسط مخاوف من هجمات جديدة.
وقال محمد أصلان (20 عاما) إن مسلحين تسللوا سابقا وقتلوا نحو 20 مواطنا من جهة الخط الأصفر.
وأشار إلى أن الخط الأصفر بات قريبا جدا من منازل المواطنين، إذ لا يفصل بعض البيوت عنه سوى 30 إلى 100 متر.
وقال رائد مصباح، أحد السكان، إنه يقطن على بعد 40 مترا من الخط، ويعيش تحت تهديد دائم بإطلاق النار.
وأضاف أن بعض العائلات غادرت المنطقة نهائيا.
ومن هناك اتجهنا جنوبا إلى قرية المصدر، مرورا بمربع سكني دمره الاحتلال قبل أسبوع.
وتحولت الأراضي الزراعية خلف الخط الأصفر إلى أراض قاحلة، إذ أكدت "الفاو" أن أقل من 5% من أراضي غزة الزراعية باتت صالحة للاستخدام.
عدنا غربا إلى طريق صلاح الدين، حيث تكررت مشاهد الدمار، من مركبات مدمرة وشبكات خدمات منهارة، إلى قوافل مساعدات محدودة.
اجتزنا دير البلح باتجاه خانيونس، حيث تراجعت حركة السير بشكل كبير، ونصح سائق شاحنة مساعدات بعدم التقدم جنوبًا بسبب إطلاق النار.
دخلنا طرقا ترابية عبر منطقة "الحِكر" ومدينة "حمد" المدمرة، وصولولا إلى "عمارة جاسر" الفاصلة بين خان يونس ومخيمها.
ثم توجهنا شرقا عبر شارع جلال في محاولة للوصول إلى الخط الأصفر، إلا أن المواطنين نصحوا بعدم المخاطرة.
وقال محمد العبادلة (42 عاما) إن الخط الأصفر أصبح ظاهرا عند مفرق بني سهيلا، ما يعني سيطرة الاحتلال على نحو 4 كلم من الشرق إلى الغرب.
وأضاف أن الطائرات المسيّرة تواصل استهداف المواطنين حتى بعد الخط الأصفر، ما يجعل الاقتراب من مفرق أبو حميد خطرًا رغم بعده.
وأشار إلى أن الخط الأصفر تحرك إلى منتصف شارع صلاح الدين في بني سهيلا، وضم مناطق سكنية جديدة.
وخلف الخط تقع بلدات القرارة وعبسان وخزاعة وبني سهيلا والفخاري والفراحين، وقد دُمرت بشكل شبه كامل، فيما شُرد نحو 160 ألف مواطن وفق تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء.
أما التوجه جنوبا نحو رفح عبر صلاح الدين فأصبح مستحيلا بسبب سيطرة الاحتلال على الطريق من معبر رفح حتى أطراف خان يونس، لمسافة نحو 13 كلم.
ووفق المعطيات الميدانية، تسيطر قوات الاحتلال على نحو 60% من مساحة قطاع غزة، بما يشمل مناطق واسعة من رفح وخان يونس ووسط القطاع وشمال غزة، مع توسع مستمر للمنطقة الصفراء التي تقسم القطاع فعليا.
ــ
إ.ر


