القدس 15-6-2026 وفا- رامي سمارة
ليس أمنا ينامون به ملئ جفونهم، ولا استقرارا يكف عن تهديد أحلامهم، ولا أرضا تتسع لخطوات عدو أبنائهم، ولا مراتع تكفي حاجة مواشيهم، بل مجرد الماء. هذا ما يحارب من أجله اليوم أهالي قرية الخان الأحمر جنوب شرق القدس المحتلة.
"6 خلال شهر واحد" عدد المرات التي أحصى فيها رئيس المجلس القروي في الخان الأحمر عيد الجهالين، إقدام المستعمرين على قطع المياه عن التجمعات البدوية الرابضة شرقي القدس المحتلة، مدفوعين بجرة قلم صاحب الطفرة في مشاريع التوسع الاستيطاني.
وتقع القرية على بعد نحو 16 كيلومترا على طريق القدس–أريحا، وتكتسب أهمية إستراتيجية خاصة لوقوعها في المنطقة التي تربط شمال الضفة الغربية بجنوبها، وتبلغ مساحتها نحو 40 دونما، وتحيط بها عدة بلدات منها عناتا والعيسوية والعيزرية.
لم يتوقف الأمر عند التعطيش، فمنذ أن وقّع وزير المالية في حكومة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش أمر الإخلاء الفوري للقرية قبل نحو شهر، تصاعدت وتيرة الترهيب والاقتحامات والتهديدات، فيما فرض الجيش وذراعه الاستعمارية حصارا طال كل ذي نفس.
"بتنا عطشى غير آمنين في سجون"، يقول الجهالين، واصفا الوتيرة التي ارتفعت فيها اعتداءات المستعمرين بالجنونية، وكذلك التهديدات بـ"موطن بديل" أُسدل الستار عن بعض تفاصيله خلال الأشهر الأخيرة، لا سيما بعد توقيع أمر الإخلاء.
آنذاك قال الوزير اليميني المتطرف إن "هذه مجرد البداية"، متفاخرا بأكثر من مئة مستعمرة جديدة و160 بؤرة زراعية رعوية، وبإخضاع مئات آلاف الدونمات لنحو مليون مستعمر، كل ذلك ليجعل من الاستيطان "أمرا لا رجعة فيه" ومن الدولة الفلسطينية "حلما لا أمل فيه".
ويرى الجهالين أن ما يجري في الخان الأحمر يقع ضمن المخطط الأوسع الذي يتربص بالقدس: ترحيل المواطنين من أراضيهم ثم فرض "السيادة" عليها.
وتتلاقى أوامر الإخلاء التعسفية للخان الأحمر مع إيداع مخطط استعماري يحمل الرقم (1627/7) ويُعرف باسم "حي شامي"، الذي حذّرت محافظة القدس من خطورته ووصفته بـ"أداة متقدمة لإعادة هندسة الوجود البدوي" في بادية المحافظة.
وأوضحت المحافظة أن الاحتلال أودع المخطط عبر ما تُسمى اللجنة الفرعية للتخطيط والترخيص التابعة لـما تُسمى "الإدارة المدنية"، مستهدفا أراضي بلدة أبو ديس على مساحة تُقدّر بنحو 169.9 دونم.
المخطط الذي يروّج له الاحتلال كعملية "تطوير وتحضير"، يهدف فعليا إلى تحويل أراضٍ زراعية ومفتوحة إلى حي سكني حضري مكتظ بكثافة عمرانية تصل إلى 12 وحدة سكنية لكل دونم، وبارتفاعات تصل إلى 6 طوابق.
وكُشف النقاب مؤخرا وفق تقارير إخبارية عبرية، عن أن الحي المنوي استحداثه لفلسطينيي بوادي القدس الشرقية سيشمل 484 شقة، بكثافة سكانية لا تقل عن 20 شخصا على كل دونم، بينما لا تتجاوز الكثافة المخطط لها في الأحياء الاستيطانية 6 أشخاص لكل دونم.
هذا التحضير القسري يصفه جهالين بأنه "مشروع موت يُرَش عليه السكر". ويوضح أن حشر البدو في بنايات سكنية ضيقة يعني تحويل حياتهم إلى سجون كبرى.
ويتفق مع ذلك المشرف العام على منظمة "البيدر" الحقوقية حسن مليحات، مؤكدا أن حصر البدو في بيئة حضرية يقضي تماما على نمط حياتهم وعلى مصدر رزقهم المتمثل في الثروة الحيوانية التي تتطلب مساحات مفتوحة وتنقلا مستمرا.
ولا يمكن قراءة مساعي تفريغ التجمعات البدوية -كالخان الأحمر، وأبو النوار، ووادي جمل، وجبل البابا- بمعزل عن مشروع (E1) الاستعماري.
ويشرح مدير عام العمل الشعبي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عبد الله أبو رحمة، أن تجميع البدو شرقي القدس يهدف بالأساس إلى تمرير هذا المشروع الأخطر على مستقبل الضفة الغربية.
والهدف خلق تواصل جغرافي بين التجمعات الاستيطانية، بدءا من مستعمرات "معاليه أدوميم" و"ميشور أدوميم" و"كيدار"، وصولاً إلى مدينة القدس.
ويعزز هذه الرؤية ما وثقته تقارير عبرية عن شروع جيش الاحتلال بشق طريق "نسيج الحياة"، وهو شارع استعماري التفافي مخصص لعزل الفلسطينيين تماما عن المنطقة بما يُسرّع وتيرة طرد البدو الفلسطينيين من محيطها.
هذا المخطط سيتسبب في فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها كليا، وسيعزل القدس عن محيطها من القرى الفلسطينية، وفق ما يوضحه أبو رحمة، فيما يتطرق مليحات إلى أبعاد إستراتيجية لا تقل عمقا وخطورة، تتمثل في السيطرة المباشرة على الموارد الطبيعية في المناطق المصنفة (ج)، وفرض سيطرة عسكرية - سياسية وصولا إلى الحدود مع الأردن.
وتؤكد محافظة القدس أن المخطط ينتهك القانون الدولي الإنساني بشكل صارخ، فالنقل القسري أو الترحيل الإجباري للسكان محظور وفقاً للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة.
كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يصنف الإبعاد والنقل غير المشروع، المباشر وغير المباشر، كجريمة حرب واضحة لا لبس فيها.
وقد دفع التحدي الإسرائيلي الفج للقانون الدولي 11 دولة أوروبية (منها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا) إلى إصدار بيان مشترك يحذر المقاولين المشاركين في مناقصات بناء المستعمرات في تلك المنطقة من العواقب القانونية لتورطهم في انتهاكات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
وأمام هذه التحديات الوجودية، يؤكد أبو رحمة استمرارية الحراك الشعبي الرافض للمخططات، جنباً إلى جنب مع الحراك الدبلوماسي المكثف لتشكيل ضغط دولي فاعل على حكومة الاحتلال لوقف التهجير.
فيما يحدد حسن مليحات مسارات لإفشال المخطط، أبرزها: تقديم الدعم الإغاثي والمالي والقانوني الفوري لسكان التجمعات البدوية، وتكثيف الوجود الشعبي والرباط الفعلي داخل التجمعات المستهدفة، وإطلاق حملة شاملة ومنظمة إعلاميا وحقوقيا لمجابهة نظام الفصل العنصري، وصناعة رأي عام دولي وعربي ضاغط.
أما عيد الجهالين، فيرى أنه لا خيار لديهم سوى البقاء، سواء أقطعوا المياه أم هدموا البيوت أم أقاموا التجمعات السكنية البديلة، وفق حديثه.
ـــ
ر.س/ م.ج


