أهم الاخبار

حين تضيق الأرض على أهلها.. الدفيئات ملاذ الغزيين للأفراح

 

غزة 13-4-2026 وفا- محمد دهمان

في مشهدٍ يلخّص عمق التحولات القاسية التي فرضتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لم تعد الأرض الزراعية كما كانت يومًا مصدرا ثابتا للرزق، بل تحوّلت لدى بعض المزارعين إلى فضاء مفتوح لمحاولات البقاء، حتى لو اقتضى ذلك تغيير هويتها من الإنتاج الزراعي إلى مشاريع بديلة تؤمّن الحد الأدنى من الحياة.

إبراهيم خالد الأسطل (25 عامًا)، مزارع من منطقة القرارة شمال شرق خان يونس، يروي حكاية جيل ورث الأرض عن الآباء والأجداد، لكنه وجد نفسه مضطرا إلى إعادة تعريف علاقته بها تحت وطأة الحرب. يقول: "نحن عائلة امتهنت الزراعة منذ عقود، ورثناها عن والدنا، الذي ورثها بدوره عن جدّي، وكانت بالنسبة إلينا الحياة نفسها، لكن الحرب سلبتنا كل شيء".

فقد الأسطل والده خلال الحرب نتيجة معاناة النزوح والمجاعة والمرض، كما دمّر الاحتلال منزل العائلة، ليجد أكثر من 30 فردا أنفسهم يعيشون في خيمة على جزء من أرضهم الزراعية. ورغم ذلك، لم يتخلّوا عن محاولات الاستمرار، فالأرض التي استأجرها والده سابقًا منذ نحو خمسة عقود في منطقة المواصي غرب خان يونس، والبالغة مساحتها نحو 15 دونمًا، كانت تضم دفيئات لزراعة مختلف أنواع الخضراوات.

لكن منذ اندلاع الحرب، بدأت معاناة المزارعين تتفاقم، مع نقص حاد في البذور والمبيدات والأسمدة، إضافة إلى غياب المواد الأساسية مثل النايلون والأخشاب اللازمة لإقامة الدفيئات، إلى جانب أزمة الوقود التي أعاقت تشغيل مضخات المياه. ويضيف الأسطل: "كنا نعتمد على الدفيئات بشكل أساسي، لكن اليوم لا نزرع سوى 5 دونمات فقط، بسبب نقص الإمكانيات وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق".

لم تقتصر التحديات على نقص المدخلات الزراعية، بل امتدت لتشمل الضغط المتزايد على الموارد، إذ اضطر الأسطل وعائلته إلى مدّ خطوط مياه للنازحين المجاورين والموجودين في منطقة المواصي، ما أثر سلبًا في كميات المياه المتاحة لري المزروعات.

ومع تصاعد الأعباء، وتسريح معظم العمال بسبب توقف الإنتاج، لجأت العائلة إلى العمل الذاتي، بمشاركة النساء والأطفال، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من مصدر رزقهم. ويقول الأسطل: "حاولنا التكيّف، فبدأنا بإنتاج سماد عضوي (كومبوست – Compost) من مخلفات الزراعة، ونجحنا جزئيًا، لكن الإمكانيات محدودة، ولم يعد ذلك كافيًا”.

أمام هذا الواقع، لم يجد الأسطل خيارا سوى اتخاذ خطوة غير تقليدية، تمثلت في اقتطاع جزء من أرضه الزراعية وتحويل إحدى الدفيئات إلى صالة أفراح بسيطة، علّها توفّر دخلًا يساعده على إعالة أسرته الممتدة. ويوضح: "بدأت المشروع مع بداية شهر رمضان، وافتتحناه في الأول من نيسان/إبريل 2026. كانت البداية مشجعة، خاصة أننا وفرنا أسعارا تناسب أوضاع النازحين".

ورغم بساطة المشروع، فإنه أسهم في توفير فرص عمل محدودة، إذ يعمل في الصالة سيدتان وثلاثة شبان، في ظل انعدام فرص العمل في القطاع. لكن التحديات لا تزال قائمة، إذ تواجه الصالة مخاطر العوامل الجوية، من أمطار ورياح أدت إلى تمزق الأغطية البلاستيكية، إضافة إلى مخاوف الصيف الحار، في ظل انقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار الوقود اللازم لتشغيل المولدات والمراوح أو المكيفات إن وُجدت.

ولم يعد تحويل الدفيئات الزراعية إلى صالات أفراح مجرد ظاهرة عابرة، بل بات يُمثّل إحدى إستراتيجيات سبل العيش التي يلجأ إليها المزارعون في محاولة للبحث عن مصدر دخل بديل، يخفف حدة التدهور المعيشي المرتبط بتدمير القطاع الزراعي، ويتيح لهم الاستمرار في مواجهة ظروف الحرب القاسية.

في هذا السياق، يقول صلاح أبو نجا (30 عامًا)، وهو نازح حاليا ويقيم في خيمة بمنطقة المواصي غرب خان يونس: إن استشهاد والده البالغ من العمر 70 عاما بتاريخ السادس من كانون الأول/ديسمبر 2023، جراء استهدافه بطائرة استطلاع أثناء وجوده في مدرسة معن التي لجأ إليها مع عائلته، شكّل نقطة تحول في حياته.

ويضيف أن وصية والده قبل استشهاده كانت أن يراه عريسا، وهو ما دفعه، إلى جانب إلحاح والدته، إلى اتخاذ قرار الزواج رغم الظروف القاسية، موضحًا: "لم نجد صالات أفراح، فأغلبها دُمّر، وما تبقى منها كان مرتفع التكلفة أو غير آمن وقريبا من مناطق خطرة، فاضطررنا إلى استئجار صالة داخل دفيئة زراعية في منطقة المواصي على شاطئ بحر خان يونس".

ويتابع: "من الخارج تبدو دفيئة عادية، لكن من الداخل جرى تجهيزها بشكل بسيط بستائر ومسرح للعروسين، ورغم تردد زوجتي في البداية ورغبتها في صالة تقليدية، فإنها قبلت في النهاية بسبب الواقع، وأقمنا حفل زفاف متواضعا قبل أسابيع".

قصة أبو نجا تعكس جانبًا آخر من تأثير الحرب، إذ لم تعد التغييرات تقتصر على أنماط الإنتاج الزراعي، بل امتدت لتشمل تفاصيل الحياة الاجتماعية، بما في ذلك مراسم الزواج التي باتت تُقام في بيئات غير تقليدية فرضتها الظروف الاستثنائية.

قصة الأسطل ليست استثناءً، بل تعكس واقعًا أوسع يشهده القطاع الزراعي في غزة، الذي يمر، وفق ما تؤكده نهى الشريف، منسقة الإعلام والمناصرة في الإغاثة الزراعية، بحالة "شلل شبه كامل أو انهيار ممنهج"، نتيجة التدمير الواسع للأراضي والبنية التحتية الزراعية.

وتوضح الشريف، في حديث لمراسل "وفا"، أن نسبة الضرر في بعض المناطق تجاوزت 95%، فيما فقد 94% من المزارعين مصدر دخلهم بشكل كامل، ما دفع الكثيرين إلى البحث عن بدائل، بما في ذلك تحويل الأراضي الزراعية إلى مراكز إيواء أو مشاريع صغيرة تؤمّن الحد الأدنى من الدخل.

وتشير إلى أن نقص البذور والمبيدات أدى إلى تراجع المساحات المزروعة بنسبة تتراوح بين 70 و80%، إضافة إلى تدهور جودة الإنتاج وانتشار الآفات الزراعية، ما فاقم أزمة الأمن الغذائي في القطاع.

وتحذر الشريف من أن هذه التحولات لا تمثل فقط أزمة آنية، بل تهدد مستقبل الزراعة في غزة، إذ يؤدي تحويل الأراضي الزراعية إلى استخدامات أخرى إلى فقدان دائم للتربة الخصبة، وتدمير النظم البيئية الزراعية، ما يجعل استعادة النشاط الزراعي مهمة معقدة وطويلة الأمد.

وفي ظل هذه التحديات، تعمل الإغاثة الزراعية على تنفيذ برامج طارئة تشمل استصلاح الأراضي، وإعادة تأهيل الآبار، وتوفير المدخلات الزراعية الأساسية، إلى جانب إطلاق مبادرات للزراعة المجتمعية داخل مخيمات النزوح، بهدف تعزيز الأمن الغذائي للأسر المتضررة.

ورغم هذه الجهود، تؤكد الشريف أن العقبات لا تزال كبيرة، في ظل استمرار القيود على إدخال المواد الأساسية، وغياب التمويل الكافي، واستمرار العدوان الذي يعيق العمل الإغاثي.

في ختام حديثه، يوجّه الأسطل رسالة تختصر معاناة المزارعين في غزة، قائلًا: "نحن شعب نريد أن نعيش بسلام، وأن نعود إلى أرضنا وزراعتنا التي ورثناها عن أجدادنا. الأرض بالنسبة إلينا ليست مجرد مصدر رزق، بل هي الحياة كلها".

وبين أرض كانت تنبض بالخضرة، وأخرى تحاول اليوم أن تتنفس عبر مشاريع بديلة، يقف مزارعو غزة على خط رفيع بين الفقد والأمل، في انتظار ما قد تعيده الأيام من حقهم في الزراعة… وفي الحياة.

ــــــ

/ ف.ع

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا