تل أبيب 31-3-2026 وفا- يسود المشهد السياسي والأمني في إسرائيل حالة من الغليان مع المصادقة على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، وسط جبهة معارضة عريضة تضم كبار قادة المنظومة الأمنية، والخبراء القانونيين، ومنظمات المجتمع المدني.
ويرى المعارضون، استنادا إلى تقارير استخباراتية وتقديرات قانونية موثقة، أن هذا التشريع لا يمثل أداة ردع، بل هو "لغم موقوت" يهدد بتقويض الأمن القومي وتشويه النظام القضائي الإسرائيلي دوليا، أي أن معارضتهم للقانون تنطلق من خشيتهم من تشويه صورة "إسرائيل" أمام العالم، وليس لكون القانون يتعارض مع حقوق الإنسان والمواثيق الدولية.
في الصدارة الأمنية، عارض جهاز الأمن العام (الشاباك) والجيش الإسرائيلي القانون بشكل قاطع. ووفقاً لشهادة نداف أرغمان، رئيس الشاباك السابق، أمام لجنة الخارجية والأمن في "الكنيست"، فإن "عقوبة الإعدام لا تشكّل رادعاً للمهاجمين الانتحاريين، بل ستجعل منهم قديسين وشهداء، ما سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق في الضفة الغربية وقطاع غزة".
كما حذّر اللواء احتياط عاموس يادلين، رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق، من أن القانون "سيحفّز المنظمات الفلسطينية على تنفيذ عمليات اختطاف لجنود ومواطنين إسرائيليين لاستخدامهم رهائن لابتزاز الدولة ومنع تنفيذ أحكام الإعدام، ما يضع حياة الإسرائيليين في خطر مباشر داخل البلاد وخارجها" حسب زعمه.
على الصعيد القانوني، قدمت المستشارة القانونية للحكومة، غالي بهراف-ميارا، وجهة نظر قانونية حازمة اعتبرت فيها أن القانون "غير دستوري" ويصطدم مع "قانون الأساس: كرامة الإنسان وحريته".
وأكدت بهراف-ميارا أن هذا التشريع سيؤدي إلى ضرر دبلوماسي جسيم، إذ سيجعل إسرائيل عرضة لملاحقات قضائية دولية في المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، وسيعقّد الجهود القانونية للدفاع عن ضباط الجيش الإسرائيلي في الخارج. كما أيد هذا الموقف "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، إذ شدد البروفيسور مردخاي كريمنيتسر على أن "إدخال السيّاف إلى النظام القضائي هو تراجع أخلاقي يحوّل الدولة إلى كيان يشرعن القتل بدم بارد".
من ناحيتها، شنت منظمات المجتمع المدني حملة مبنية على الوقائع القانونية؛ فقد اعتبر مركز "عدالة" الحقوقي أن القانون يكرّس "نظامين قضائيين منفصلين" على أساس عرقي، وهو ما يقع ضمن تعريف جريمة الفصل العنصري (الأبرتهايد) في القانون الدولي.
ووصفت "جمعية حقوق المواطن" العقوبة بأنها "أشد أنواع العقوبات قسوة ولا رجعة فيها"، مشيرة إلى خطر "الخطأ القضائي" الذي قد يؤدي إلى إعدام أشخاص تثبت براءتهم لاحقاً.
كما انضمت منظمة "أطباء لحقوق الإنسان" إلى الاعتراض، مؤكدة أن إجبار الطواقم الطبية على الإشراف على عمليات الإعدام ينتهك "إعلان طوكيو" والأخلاقيات الطبية العالمية التي تمنع الأطباء من المشاركة في أي شكل من أشكال التعذيب أو الإعدام.
أما الجانبان الميداني والاجتماعي، فقد شهدا تحركاً من "منتدى العائلات الثكلى من أجل السلام"، الذي أكد في عريضة رسمية أن "دم الأسرى لن يضمد جراحنا، بل سيفتح جراحاً جديدة لآلاف العائلات الأخرى". واعتبر المنتدى أن سياسة الانتقام تقوّض فرص أي استقرار مستقبلي.
حتى في الأوساط الدينية، برز صوت النائب موشيه غافني من حزب "يهودوت هتوراة"، الذي أشار إلى أن الموقف الفقهي اليهودي التقليدي يحذّر من "المحاكم القاتلة" (سنهدرين قتلانيت)، معتبراً أن إراقة الدماء الممنهجة تحت مسمى القانون تتعارض مع القيم اليهودية المحافظة.
ويؤكد هذا الحراك الجماعي لمنظمات مثل "معهد زولات" وحركة "السلام الآن" أن معارضة القانون ليست مجرد ترف فكري، بل هي ضرورة أمنية وأخلاقية.
ويحذّر هؤلاء من أن إسرائيل، في حال مضت قدماً في هذا التشريع، ستجد نفسها في صف واحد مع دول غير ديمقراطية، وستفقد الغطاء القانوني والسياسي الذي تمنحها إياه العواصم الغربية، ما سيعمّق عزلتها الدولية ويحوّل صراعها مع الفلسطينيين إلى مواجهة وجودية تفتقر إلى أي أفق سياسي أو قانوني.
وكانت قد تقدمت عدة جهات باستئناف إلى المحكمة ضد القانون، إحدى هذه الجهات كانت مركز عدالة الذي توجه باسمه وباسم عدد من المنظمات وعضو الكنيست عايدة توما- سليمان، وعن الموضوع قال د. حسن جبارين، مدير المركز لـ"وفا" ‘نّ احتمالية إلغاء القانون واردة جدًا، وذلك لعدم دستوريته.
وأوضح أن هذا القانون ليس مجرد تشريع جنائي، بل هو أداة سياسية استعمارية تهدف إلى مأسسة "الفصل العنصري" (الأبرتهايد) في أسمى الحقوق الإنسانية وهو الحق في الحياة. فمن خلال صياغات قانونية ملتوية، يسعى المشرّع إلى ضمان تطبيق الإعدام على الفلسطينيين وحدهم، مع استثناء الجناة اليهود عبر اشتراط دوافع سياسية محددة.
ويؤكد جبارين أن القانون يوجّه ضربة قاضية إلى استقلال القضاء؛ إذ يحوّل المحاكم إلى أداة تنفيذية مسلوبة الإرادة بفرضه عقوبات إلزامية تتجاهل الظروف الإنسانية والميدانية، ويسمح بصدور أحكام القتل بأغلبية بسيطة في المحاكم العسكرية.
كما شدد على "انعدام الصلاحية الدستورية" للكنيست في تشريع قوانين تمس السكان المحميين في الضفة الغربية، معتبراً ذلك خرقاً جسيماً لاتفاقيتي لاهاي وجنيف الرابعة.
ويختم جبارين تصويره للمشهد بأن غاية "الردع" المعلنة هي ادعاء واهٍ نفته الأجهزة الأمنية وآراء الخبراء الدوليين من جامعتي أكسفورد وبن غوريون، ما يكشف عن الوجه الحقيقي للقانون كفعل انتقامي محض يرقى إلى مستوى "الجريمة الدولية" بموجب نظام روما الأساسي، ويحوّل الدولة إلى كيان يشرعن القتل بدم بارد بعيداً عن أي معايير للعدالة أو المحاكمة المنصفة.
بدورها، قالت عايدة توما سليمان لـ"وفا"، إن هذا التشريع يمثل ذروة "الفوقية اليهودية" ونظام "الأبرتهايد"، كونه صُمم ليُطبق حصرياً على العرب، بينما يتمتع الإرهابيون والقتلة من المستعمرين بالحصانة الكاملة.
وانتقدت توما-سليمان "الاستعراضات السادية" التي رافقت التشريع، من ارتداء دبابيس المشانق إلى زي "الجلّادة"، معتبرة إياها إعلان نوايا صريحاً لتحويل الدولة إلى "ماكينة موت أوتوماتيكية" تستهدف أسرى مكبّلين لا يشكّلون خطراً، بهدف إشباع غريزة الانتقام السياسي.
ــــ
/ع.ف


