أهم الاخبار

المواصلات في غزة "معركة يومية" تثقل كاهل المواطنين

 

غزة 24-3-2026 وفا- صفاء البريم

في مشهد يعيد عقارب الساعة عقودا إلى الوراء، تحولت شوارع غزة المدمرة إلى مسرح لمعاناة يومية يعيشها أكثر من 2.4 مليون فلسطيني.

فبعد تدمير الاحتلال الإسرائيلي آلاف السيارات خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أو شلل حركتها، بسبب نقص الوقود وقطع الغيار التي يمنع الاحتلال إدخالها، أصبح الاعتماد على السيارات القديمة، وعربات الحمير الخشبية، والدراجات النارية ذات العجلات الثلاث "التوكتوك" حلا مؤقتا للتنقل.

هذا الوضع أسفر عن ارتفاع جنوني في أسعار قطع غيار السيارات، ما زاد العبء المعيشي على المواطنين بشكل كبير.

وتشمل أزمة الغلاء مختلف قطع الغيار الأساسية، من المحركات والمكابح (الفرامل) والبطاريات والمولدات والمراوح و"الروديترات" والإطارات، إلى الأبواب والمصدات والرفارف والزيوت، إضافة إلى الأضواء الأمامية والخلفية والزجاج وغيرها، ما جعل صيانة المركبات عبئًا يفوق قدرة السائقين والمواطنين على تحمله.

فلم تعد وسائل النقل في القطاع مجرد وسيلة للانتقال، بل تحولت إلى "معركة يومية" يخوضها المواطنون بين معاناة جسدية وعبء مالي ثقيل، وسط أزمة خانقة من شح الوقود وارتفاع جنوني في الأسعار وانهيار شبه كامل للبنية التحتية بفعل عدوان الاحتلال الإسرائيلي على غزة منذ ما يقارب ثلاثة أعوام.

في تقاطع مدمر بمواصي مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، يقف حسام مسلم (35 عاماً) بانتظار وسيلة نقل تقله إلى العمل، ويقول: "نعاني كثيراً من مشكلة المواصلات، بصراحة الكلمات لا تستطيع وصف ما نمر به فقد تنتظر ساعات سيارة أو "التوكتوك"، أو عربة قد لا تأتي أبداً. أحياناً تضطر إلى تغيير مسارك بالكامل أو تقطع مسافة طويلة سيرا على الأقدام".

ويتابع مسلم الذي يعمل ممرضا في إحدى النقاط الطبية هناك: "الرحلة التي كانت تستغرق عشر دقائق قد تستهلك يوماً كاملاً. وسائل النقل الحالية غير مريحة وغير آمنة، فـ"التوكتوك" والعربات لم تصمم لعبور شوارع مليئة بالحفر والركام بفعل قصف الاحتلال الشديد على مدن القطاع وشوارعه. في أي لحظة تشعر أنك قد تسقط، تفكر باستمرار في حياتك وأن تنجو من كل رحلة".

أما أم عيد جابر (50 عاما)، النازحة إلى مواصي خان يونس بعد أن دمر الاحتلال الإسرائيلي بيتها في شمال غزة، فوجدت أن المشي بات الخيار الوحيد: "المواصلات شبه مستحيلة. والأسعار ارتفعت والناس بالكاد يجدون ما يأكلونه، فكيف لهم أن يدفعوا ثمن التنقل؟ نُمضي ساعات ونحن نمشي في شوارع مدمرة".

وتضيف: "قبل أسبوع، اضطررت إلى زيارة ابنتي إحسان (25 عاما) المتزوجة المريضة في مواصي القرارة. لم تكن هناك مواصلات، فمشيت لأكثر من ساعة ونصف ساعة بين الركام والمطر وأنا أحمل حقائب ثقيلة، وعندما وصلت كنت منهكة وبالكاد أستطيع الوقوف".
أما أميرة صادق (35 عاما) معلمة وأم لثلاثة أطفال، فلم تجد بديلاً عن ركوب عربة يجرها حمار وتقول: "في ظل هذه الظروف يبدو كل شيء مقبولاً. كنت أشعر بالخجل في البداية، لكن الآن لا خيار آخر لدي فأريد أن أصل إلى النقطة التعليمية التي أعمل فيها في الموعد المحدد، ولكن غالبا ما أتأخر بسبب عدم توفر وسائل النقل".

"وتضاف إلى ذلك أزمة سيولة نقدية خانقة، ونقص في الفكة، ما يعقد المعاناة اليومية للسكان الذين يجدون أنفسهم أمام تحدٍ مزدوج: تأمين وسيلة نقل وتوفير النقود المناسبة لثمنها". تابعت صادق بقولها.

وأفاد السائق رامي أبو سعادة بقوله: "نحن نعمل اليوم بخسارة حقيقية، فأسعار قطع الغيار جنونية، ولا قدرة لنا على الصيانة كما في السابق. أي عطل بسيط قد يوقف السيارة أيامًا أو أسابيع، إما لعدم توفر القطعة وإما لارتفاع سعرها بشكل يفوق الاحتمال".

وأضاف: "رفع الأجرة لم يكن خيارًا، بل اضطرارًا للبقاء في العمل. ومع ذلك، فإن دخلنا لا يكفي، والمواطن متضرر مثلنا تمامًا. أزمة المواصلات في غزة لم تعد أزمة وقود فقط، بل أزمة حصار وغياب قطع الغيار وانعدام أي حلول حقيقية".

ووفقا لبيانات 2023 الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة النقل قبل الحرب، فقد كانت شوارع غزة تعج بنحو 80 ألف سيارة يومياً، حيث بلغ عدد المركبات المرخصة في القطاع آنذاك نحو 88 ألف مركبة، ما يمثل 19% من إجمالي المركبات في فلسطين.

أما اليوم، فتشير تقديرات محلية إلى أن ما بين 25 إلى 32 ألف سيارة وشاحنة وسيارة أجرة قد دمرها القصف الإسرائيلي أو تضررت، في مقابل ندرة حادة في قطع الغيار.

وعاهد عدوان (50 عاما)، فيذكر معاناة المواطنين الذين أُجبروا على المشي لمسافات طويلة لتوفير أجرة النقل، وأنهم يضطرون إلى الصعود على ظهور الشاحنات الفارغة في الطرقات، مجازفين بحياتهم هرباً من الأجور الباهظة وشح وسائل النقل، فضلا عن الآلام الشديدة التي تتسبب فيها هذه المركبات غير المريحة في الظهر والجسد، والمشكلات الصحية التي تتسبب فيها للجميع نساءً ورجالا.

وتشير مصادر اقتصادية إلى أن الأزمة تستمر في ظل سماح الاحتلال بإدخال أقل من 5% من احتياجات السوق من قطع الغيار، معظمها غير أصلية، إضافة إلى ما يُعرف بـ "التنسيقات" التي قد تصل إلى 3 ملايين شيقل (954 ألف دولار) للشاحنة الواحدة، في ظل استغلال واضح من بعض التجار واحتكار السوق، ما رفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.

وبحسب تلك المصادر فإن ندرة قطع الغيار التي يمنع الاحتلال دخولها إلى قطاع غزة منذ قرابة ثلاثة أعوام وارتفاع أسعارها أديا إلى خروج عدد ملحوظ من المركبات على الخدمة، ما انعكس سلبًا على كفاءة منظومة النقل وأمانها.

وفي ظل غياب البدائل، لجأ بعض السائقين إلى استخدام قطع غيار مستعملة أو غير مطابقة للمواصفات، الأمر الذي يهدد السلامة المرورية ويرفع احتمالات الحوادث، خاصة مع غياب الفحص الفني المنتظم وتدهور البنية التحتية للطرقات.

ــــــــــــــ

س.ك

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا