نابلس 23-3-2026 وفا- بسام أبو الرب
في تلك الساعة التي كانت سيرين عمر (18 عاما) تحاول اقتناص فرصة للتركيز في أوراقها ومتابعة التحضير لتقديم امتحانات في مادة الديكور المنزلي... وإذا بأصوات تعلو حول منزلها الواقع إلى الشرق من قرية دير الحطب شرق نابلس. فجأة تجد نفسها محاطة بالنيران بعد استهداف مئات المستعمرين المنزل.
قرية دير الحطب شرق نابلس كانت آخر القرى التي واجهت نيران المستعمرين المفتعلة، وقبلها في الفندقومية وسيلة الظهر جنوب جنين، وفي قرى رام الله والخليل وسلفيت والأغوار وبيت لحم، من شمال الضفة الغربية وصولا إلى جنوبها، على مدار الأسابيع الماضية. كانت هذه القرى تواجه المصير ذاته؛ بفعل هجمات المستعمرين.
عائلة سيرين التي جلست حول المائدة بعد تحضير وجبة العشاء، وأغلقت الأبواب لتوفير جو دراسي لها داخل غرفة الضيوف. لم تنته حتى فاجأتها نيران سريعة الانتشار، لتقطع تفاصيل الأحاديث ولمة العائلة في ثالث أيام عيد الفطر.
الطالبة سيرين لجأت إلى والدها وهي تصرخ بعد أن أتت النار على كل ما في الغرفة حتى كتبها الدراسية.
يقول الأب سامر عمر (50 عاما): "لا يمكن وصف ما حدث (..) جاءوا بقصد القتل.. القتل فقط".
ويضيف عمر الذي يعمل في مجال البناء: "قرابة الساعة السادسة والنصف من ليلة أمس الأحد، هاجم مئات المستعمرين منزلنا، وألقوا مواد حارقة سريعة الاشتعال والانتشار، في مركبتي المتوقفة في فناء المنزل، ثم استهدفوا غرفة الضيوف بعد تكسير نوافذها، حيث كانت ابنتي سيرين تدرس".
ويتابع عمر: "لم أستطع التصرف وقتها من هول الحدث، لحظات حتى قررت اللجوء أنا وعائلتي إلى مطلع الدرج المؤدي إلى سطح المنزل، لكن بسبب النيران والدخان، قررنا الصعود إلى سقف الدرج، رغم أنه غير آمن أيضا، لأن المنزل كله مغطى بالدخان".
يؤكد: "أكثر من نصف ساعة والمستعمرون مستمرون في الهجوم واستهداف المنزل بالحجارة، وذلك بحماية جنود الاحتلال، وباستخدام طائرة (درون) يراقبون من خلالها ما يحدث".
ومنع جيش الاحتلال وصول طواقم الإطفاء ومركبات الإسعاف إلى المنطقة، حتى انسحاب المستعمرين.
ويقول عمر: "منزلي الأخير في القرية، استغرقتُ ست سنوات لبنائه، وكنت أظن أنه ملاذي الآمن والهادئ، بعيدا عن الضوضاء. اليوم أصبح يسكنه الدخان والرماد، فقط لأنه متاخم لمستعمرة "ألون موريه"، التي جاءوا منها، لقد استعانوا بمستعمرين من مناطق أخرى".
ويتساءل: "لماذا علينا أن ندفع ثمن مقتل أحد المستعمرين بحادث سير بعيدا عن هنا؟".
اليوم أصبح عمر الذي بنى جزءا كبيرا من منازل القرية بلا مأوى، بعد أن أضاعت نيران المستعمرين عليه فرصة استكمال بناء طابق آخر فوق منزله.
يقول: "كان حلمنا أن تحصل ابنتي على شهادة هندسة الديكور وتصمم الطابق الجديد كما تريد".
وبحسب إحصاءات حصلت عليها وكالة "وفا"، من هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن المستعمرين استهدفوا 21 قرية في الضفة الغربية خلال اليومين الماضيين، شكلت 8 موجات من الاعتداءات، نتج عنها 19 إصابة وتضرر 14 منزلا ومشطب مركبات بفعل الحرائق، وتضرر 23 مركبة.
أمتار معدودة تفصل منزل عائلة سامر عمر عن المنزل الآخر المكون من طابقين، وتعود ملكيته للمواطن برهان عمر، ليعيش التجربة ذاتها، فقد كان يتنقل من زاوية إلى أخرى عله يحمي أطفاله وزوجته من النيران التي التهمت المنزل، فلجأ إلى سطح المنزل أيضا.
ويقول: "الأمر لم يكن فجأة بل كان مدبرا ومخططا له، وكنت أتوقع ذلك، لكن ليس بهذه الحدة والدرجة من العنف، لقد استخدموا كل الوسائل حتى طائرات (الدرون).. جاءوا من أكثر من جهة ويعلمون طبيعة المنطقة".
ويضيف: "هاجموا أكثر من منزل في اللحظة ذاتها، ما يعني أنهم كانوا يقسمون الأدوار بينهم، ويقطعون الطرق على كل من يحاول المساعدة بحماية من جيش الاحتلال؛ وذلك بهدف القتل والتدمير".
الهلال الأحمر أعلن التعامل مع 10 إصابات، إحداها بالرصاص، والباقي رضوض واختناق، عقب هجوم المستعمرين على قرية دير الحطب شرق نابلس.
القائم بأعمال لجنة تسيير أعمال مجلس دير الحطب القروي نضال زامل، يؤكد أن هجوم المستعمرين ليلة أمس على الجهة الشرقية من القرية، نتج عنه إحراق 4 منازل بشكل كامل وجزئي، إضافة إلى إحراق 9 مركبات، وإصابة 13 مواطنا منها بالرصاص والرضوض والاختناق، أربعة منهم احتاجوا إلى النقل إلى المستشفيات، وأحدهم بحاجة إلى عملية جراحية وهي إصابة لشاب بحجر في الوجه، نتج عنها كسور في الفك.
وفي بيان لخبراء في الأمم المتحدة نُشر في التاسع عشر من آذار/ مارس الحالي، قالوا: "تعيش مجتمعات بأكملها في خوف دائم من إرهاب المستعمرين الذي يعيث فسادا في الضفة الغربية ليل ونهار، إذ باتت محاصرة ومعزولة عن العالم الخارجي"، مضيفين أن "آلاف العائلات الفلسطينية أُجبرت على الفرار من ديارها بسبب تصاعد هجمات المستعمرين وتدمير البنية التحتية الأساسية، لا سيما في الأغوار، حيث نزح بعضها قبل أشهر إلى مناطق أخرى".
وأشاروا إلى أن "التقارير الأخيرة التي تكشف عن تزويد هذه الجماعات (المستعمرين) بالأسلحة والمركبات، تؤكد الأدلة التي تشير إلى اعتماد السلطات الإسرائيلية على المستعمرين غير الشرعيين "لتمهيد الطريق" للتطهير العرقي".
ـــ
ب.ر/ م.ع


