غزة 16-3-2026 وفا- حسين نظير السنوار
زَجت الظروف الاقتصادية الصعبة والمُعقدة في قطاع غزة بعد الحرب الإسرائيلية التي استمرت أكثر من عامين بآلاف الأطفال مبكرا إلى سوق العمل من أجل توفير بعضا من متطلبات عائلاتهم بعد أن انقطعت بهم السبل وأغلقت كل الأبواب والطرق في وجوههم.
فمع قرب رحيل شهر رمضان المبارك وقرب عيد الفطر اتجه آلاف الأطفال للعمل سواءً على بسطات صغيرة أو في مَحال تجارية أو أكشاك لبيع الحلوى ليتحصلوا على المال لشراء كسوة العيد وبعضا من حلواه لهم ولإخوانهم، وكذلك للمساهمة في المصاريف اليومية لعائلاتهم التي نخر الفقر والعوز أجسادهم وجيوبهم.
وقال الطفل محمود عواجة (14 عاما)، إنه نظرا لظروف عائلته المادة الصعبة بسبب حالات النزوح المتكررة وعدم الاستقرار في مكان محدد أجبر على العمل لكي يكون عونا لهم وليتم تجاوز هذه المحنة من خلال علمه في بيع الخضروات الورقية كالبقدونس والجرجير والبصل الأخضر والفِجل، مشيرا إلى أنه بالكاد يحصل على 15-20 شيقل يوميا وهي لا تفعل شيء في ظل ارتفاع الأسعار.
وتمنى أن تعود الحياة لما كانت عليه ويتمكن من الانتظام من جديد في مدرسته وأن يتابع دروسه أسوة بأقرانه في العالم، مبينا أن وقت الفراغ الكبير خلال أيام الأسبوع خلق فرصة قوية للعمل حيث يتوجه للمدرسة ثلاثة أيام أسبوعًا بواقع ثلاث ساعات في اليوم الواحد فيضطر خلال وقت فراغه من المدرسة للعمل لتجاوز ظروف عائلة الاقتصادية الصعبة.
بينما يقول الطفل أنس الخطيب (15 عاما) إنه وبرفقة شقيقه الأصغر تميم (12 عامًا) يذهب بشكل يومي إلى نقاط بيع الخبز المدعوم من الغذاء العالمي لشراء عدة ربطات خبز بسعر 3 شواقل ويقوم بنقلها لمكان آخر وبيعها بـ4 شواقل، مشيرا إلى أنهما يكررا هذه العملية عدة مرات يوميا وفي نهاية اليوم يتحصلا على مبلغ ربح من 30 لـ 40 شيقل في أحسن الأحوال.
ويتابع، نواجه مشكلة كبيرة من خلال التعامل مع المواطنين في موضوع السيولة والفكة لغالبية المواطنين لا يمتلكون فكة ويرغبون بالشراء عبر التطبيق البنكي والمحافظ الإلكترونية وأنه لصغر سنة لا يمتلك حساب بنكي أو محفظة إلكترونية الأمر الذي يجعل عدد من الزبائن الذين لا يمتلكون الفكة والسيولة الإعراض وعدم الشراء منهما، مشيرا إلى أنه يبذل قصارى جهده من أجل بيع أكبر كمية من الخبز حتى يتمكن من توفير ثمن كسوة العيد له ولإخوته.
فيما قال الطفل أدهم المصري (14 عاما) ويعمل على عربة خضروات متنقلة إنه أجبر على العمل بعد استشهاد والده وشقيقه الأكبر وأصبحت المسؤولية كاملة ملقاة عليه، مشيرا إلى أنه يبذل ما بوسعه من جهد ويتحمل التعب ومذلة العمل والصراخ والشتائم في بعض الأحيان من أجل توفير مصروف لإخوته الثلاثة الأصغر منه سنا ووالدته التي تنتظره بفارغ الصبر حتى يعود سالمًا، آملًا أن يتمكن من كسوة إخوانه قبل العيد حتى لا يشعروا بالنقص وأن يشعرهم بحلاوة العيد كما لو كان والده على قيد الحياة.
ولعن المصري الحرب وما سلبته من فرحة وأحباب وأقارب وتركته يصارع الأيام لكي يعيل عائلته المكلومة، وتمنى أن يعود الأيام لسابق عهدها وأن يعيش وإخوانه حياة كريمة بعيدًا عن التشرد والخوف والنزوح والموت الذي يواجه شعبنا من كل جانب.
بينما قال الطفل إيهاب عبد العال (15 عاما) النازح من مدينة رفح إلى خان يونس، إنه يعمل يوميًا من الساعة الثامنة صباحًا حتى التاسعة مساءً على بسطة لبيع البهارات والتوابل مقابل 25 شيقلا في سبيل توفير سيولة وإعالة لوالده المصاب منذ عامين ولا يقوى على العمل، آملًا أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية في قابل الأيام وأن يشفى والده ويعود لعمله ويعود هو لدراسته بشكل يومي كما كان قبل ذلك.
وقال المرشد النفسي والاجتماعي إبراهيم أبو العلا، إن عمالة الأطفال في قطاع غزة تعتبر من القضايا الإنسانية والاجتماعية الخطيرة التي تدق ناقوس الخطر لأطفال بعمر الزهور بدلًا من جلوسهم على مقاعد الدراسة يجلسون على بسطات أو في محال تجارية أو حتى يعملون كباعة متجولين من أجل توفير المال لهم ولأسرهم، مشيرا إلى أن الأطفال في قطاع غزة يعيشون واقعا مؤلما، فبدل أن يكون العيد وقتا للفرح والراحة، يضطر بعضهم إلى العمل لمواجهة الظروف الاقتصادية القاسية التي تمر بها أسرهم.
وتابع أغلب الأطفال يعملون من أجل رسم فرحة سلبتها الحرب عن وجههم ووجوه ذويهم وإخوانهم من خلال توفير كسوة العيد وبعض السكاكر رغم أن غالبيتهم يعيشون في خيام إلا أن دولاب الحياة يأبى أن يتوقف ليثبتوا للعالم أن شعب غزة يحب الحياة ويعشقها، مبينًا إن عمالة الأطفال في قطاع غزة جاءت نتيجة ارتفاع البطالة لمستويات كبيرة وعدم توفر فرص عمل لأرباب الأسر في ظل الحصار والإغلاق المستمر منذ سنوات طويلة على. القطاع.
وأضاف أبو العلا أن نسبة كبيرة من الأطفال يعملون واجبروا على ذلك في ظروف صعبة بسبب غياب المعيل واستشهاد الأب وهذا الأمر جعلهم يتحملون المسؤولية مبكرا بدلًا من الانتباه لدروسهم والعمل على بناء مستقبلهم من خلال العلم والدراسة، مشيرًا إلى أن الأطفال يعملون لساعات طويلة مقابل أجر زهيد الأمر الذي أدى لفقدانهم طفولتهم وحرمانهم من أجواء الفرح واللعب خاصة في العيد.
ويمثل عيد الفطر عادةً رمزًا للفرح والطفولة، لكن بالنسبة لكثير من أطفال غزة يصبح موسمًا للعمل بدل الاحتفال فبينما يشتري البعض ملابس العيد يعمل أطفال آخرون في الأسواق ليتمكنوا فقط من شراء قطعة حلوى أو مساعدة أسرهم في محاولة منهم لإدخال الفرحة على ذويهم.
يشار إلى أنه بعد الحرب على قطاع غزة وصلت نسبة البطالة إلى مستويات غير مسبوقة حيث ذكرت تقارير الأمم المتحدة ومؤسسات اقتصادية إلى أن معدل البطالة وصل إلى نحو 80% من القوى العاملة، بعد أن كانت قبل الحرب 45٪، وهذا يعني أن 8 من كل 10 أشخاص غير قادرين على العمل ولا يجدون عملاً، كما أن الاقتصاد في غزة انكمش بشكل حاد وتراجع إلى نحو 13% فقط من حجمه قبل الحرب وهذا يشير إلى انهيار شبه الكامل للاقتصاد المحلي بالقطاع.
وتعود ظاهرة ارتفاع نسبة البطالة في القطاع لتدمير المصانع والمنشآت الاقتصادية، وإغلاق آلاف الشركات والمحلات التجارية، وتوقف قطاعات أساسية مثل البناء والصناعة والصيد، إضافة لعمليات النزوح المتكررة وتعطل الأسواق الاعتماد الكبير على المساعدات الإنسانية بدل العمل، ونتيجة لذلك أصبح معظم المواطنين تحت خط الفقر، ويعتمد غالبيتهم على المساعدات الغذائية.
ــــ
ح.س/ ف.ع


