أهم الاخبار
الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 12/02/2026 05:33 م

رمضان غزة ... موائد منقوصة وأسواق مثقلة بالخسارة

سوبرماركت القدرة قبل عدوان الاحتلال وبعده
سوبرماركت القدرة قبل عدوان الاحتلال وبعده

 

غزة 12-2-2026 وفا - محمد دهمان

هذا هو شهر رمضان الثالث الذي سيحل على قطاع غزة المنكوب، والمثقل بأعباء حرب الإبادة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وتداعياتها الاقتصادية والإنسانية.

وإلى جانب عشرات الآلاف من الضحايا بين شهداء وجرحى ومفقودين، ودمار هائل طال كل شي في القطاع من بنية تحتية ومنازل وحتى الخيام، فإن العائلات في غزة فقدت مصادر رزقها، ولم تستعد قدرتها على تأمين أبسط متطلبات الشهر الفضيل، وسط دمار واسع، ونزوح مستمر، وارتفاع جنوني في الأسعار، وانعدام شبه كامل لمصادر الدخل، إضافة إلى أن الأسواق لم تتعافَ الأسواق بعد من هول ما حل بها من خراب.

في محافظة خان يونس جنوب القطاع، يستقبل زاهر القدرة، صاحب "سوبر ماركت القدرة"، رمضان بكثير من الذكريات الموجعة، وهو شاهدا على حجم الخسارة التي طالت القطاع التجاري، مع أوامر الإخلاء التي أصدرها الاحتلال في أيار/ مايو العام الماضي.

يستعيد القدرة صورة استقبال الغزيين لشهر رمضان المبارك قبل عدوان الاحتلال، حين كانت الاستعدادات تبدأ قبل شهر أو أكثر، وكأنه "عرس وطني وديني"، حيث تُملأ الرفوف بقمر الدين، والأجبان والألبان، وأجود أنواع التمور، والمخللات، واللحوم المصنعة، وحلاوة الطحينة، والعصائر، إضافة إلى زينة رمضان، فضلًا عن صناعة القطايف، إحدى أهم حلويات الشهر الفضيل.

لكن بـ "غمضة عين" تحول "السوبرماركت" إلى ركام، بعد أن تعرضت المنطقة بأكملها، بما فيها منزله الواقع على مقربة من المستشفى الأوروبي، لقصف مكثف دون سابق إنذار، حيث أطلق الاحتلال عشرات الصواريخ شديدة الانفجار في الأرض، من بينها ثلاثة صواريخ سقطت أمام بيته مباشرة، ما حوّل المكان إلى ركام ومدينة الأشباح، وأجبر المواطنون على النزوح، مع انتشار الطيران الحربي واقتراب الدبابات.

يقول القدرة إن جيش الاحتلال اتصل في صباح اليوم التالي للقصف، وأجبرهم على إخلاء المنطقة مرة أخرى وأمهلهم 10 دقائق فقط، تركت العائلة كل شيء خلفها، وبعدها تم نسف ما تبقى من المنزل والمنازل المجاورة بالكامل، كما دمر السوبرماركت الذي تعتاش منه العائلة.

ويضيف أن خسائرهم نتيجة تُقدر بنحو مليوني دولار، عدا عن توقف العمل بشكل كامل، مشيرًا إلى أن المنطقة كانت قد تعرضت للاستهداف مرات عدة خلال العدوان، وفي كل مرة كانت العائلة تعيد ترميم السوبرماركت، قبل أن يعود الاحتلال لقصفه من جديد.

بعد النزوح إلى منطقة المواصي غرب خان يونس، اضطر إلى إعادة فتح مشروع جديد ومتواضع، وهو عبارة عن سوبرماركت صغير لكن هذه المرة في خيمة، مغطاة بشوادر بلاستيكية على شارع الرشيد الساحلي، بمساحة لا تتجاوز 300 متر مربع، وذلك بعد شهرين من النزوح، في يونيو/ حزيران 2025، في ظل مجاعة وحصار شديدين.

ويؤكد أن التحديات لا تزال قائمة، فبعض السلع الأساسية الخاصة برمضان ما زالت غير متوفرة، وعلى رأسها الأجبان بأنواعها، والتمور، والعصائر، وزينة رمضان، إضافة إلى حالة التذبذب الحاد في الأسعار، التي تُكبّد التجار خسائر فادحة، في ظل هاجس عودة العدوان وعدم الاستقرار الأمني.

كما تسببت الأمطار الغزيرة والرياح الشديدة التي أغرقت الخيام في إتلاف كميات من البضائع، إلى جانب الخسائر الناتجة عن انقطاع الكهرباء وسوء التبريد، فيما لا يقتصر ثقل رمضان على الأسواق فقط، بل يمتد إلى العائلات النازحة التي تعيش في الخيام.

شيماء أبو عربية (35 عامًا)، من سكان شمال قطاع غزة – جباليا، وأم لولد وبنتين، تقول إنها لم تتمكن من الاستعداد لرمضان هذا العام "نعيش يوما بيوم، اليوم نأكل ونحمد الله، وغدًا لا نعلم ما يحصل".

وتشير إلى أن الأسعار المرتفعة حرمتها في الأعوام السابقة من أبسط أمنياتها، كسحور بسيط يحتوي على اللبن والتمر، مؤكدة أن اعتمادهم سيكون على "التكايا" في الإفطار، في ظل غياب مصدر دخل، وصعوبة الطهي بسبب نقص الغاز، واستحالة إشعال النار في ساعات الفجر الأولى داخل الخيام.

وتتمنى شيماء أن يمر رمضان بسلام، دون عودة عدوان الاحتلال، وأن تتحسن الأسعار، ويتمكن زوجها من العمل، حتى يشعر أطفالها بطقوس الشهر الفضيل، ويستطيعوا الصيام.

أما أيمن خلف (57 عامًا)، أب لخمسة أفراد، وموظف متقاعد في السلطة الوطنية، نزح قسرًا من رفح إلى مواصي خان يونس منذ بداية العدوان.

يقول إنه لا يستطيع توفير الاحتياجات لعائلته في الأيام العادية، فكيف سيكون الحال في رمضان، في ظل عدم انتظام صرف الرواتب، مضيفا أن الراتب "كان يكفي قبل العدوان، أما اليوم، ومع ارتفاع الأسعار، فقد بات غير قادر على تغطية الاحتياجات الأساسية".

ويشير إلى أن هذا الواقع دفع عائلته للاعتماد شبه الكامل على المساعدات الغذائية ووجبات التكايا، مؤكدًا أن رمضان هذا العام "لن يغير شيئا في حياة اهل غزة، فنحن نعيش الصيام والحرمان منذ شهور، وسنضيف إليه الشعائر الدينية كالصلاة والتراويح".

من جانبه، يؤكد الخبير والمحلل الاقتصادي ماهر الطباع أن شهر رمضان يأتي هذا العام بعد حرب مدمرة استمرت لأكثر من عامين، خلفت أوضاعًا اقتصادية وإنسانية كارثية غير مسبوقة، ودمرت مقومات الحياة كافة، وحرمت عشرات آلاف المواطنين من المأوى.

ويشير الطباع إلى أن الحرب رفعت معدلات البطالة إلى نحو 80%، والفقر إلى 100%، مع انتشار الفقر المدقع وعمالة الأطفال، في ظل توقف التعليم واعتماد سكان القطاع بالكامل على المساعدات، كما انكمش الاقتصاد الفلسطيني بنسبة 86%، ما انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين.

ويضيف أن شهر رمضان، الذي يشهد عادة ارتفاعًا في معدلات الاستهلاك، بات يشكل عبئًا إضافيًا على الأسر محدودة ومعدومة الدخل، في وقت تشهد فيه الأسواق حالة من الكساد والركود، وارتفاعًا في أسعار السلع تجاوز في بعض الأصناف 300% مقارنة بما قبل الحرب، ما دفع العائلات إلى حصر إنفاقها في الضروريات فقط.

هكذا يستقبل قطاع غزة شهر رمضان للعام الثالث بعد الحرب، بموائد ناقصة، وأسواق مثقلة بالخسارة، وقلق يومي من القادم، فيما يبقى الأمل معلقًا بأن يحمل الشهر الفضيل بعض الطمأنينة، في واقع لم يعد يحتمل المزيد من القسوة.

ــــ

م.د/ر.ح

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا