الرئيسية تقارير وتحقيقات
تاريخ النشر: 05/01/2026 02:24 م

خربة المراجم… وحيدة في مواجهة الزحف الاستعماري

 

نابلس 5-1-2026 وفا- زهران معالي

في قلب المنطقة الممتدة بين قريتي المغير شرق رام الله ودوما جنوب نابلس، تقف خربة المراجم شاهدةً على تاريخ طويل من التجذّر والصمود، وعلى حاضر قاسٍ من الاستهداف والإهمال والتغوّل الاستعماري.

خالد يوسف داود، أحد سكان الخربة الأصليين، يروي أن عائلته تقيم في المراجم أبًا عن جد منذ العهد العثماني. ويقول إن ملكية أراضي الخربة تعود إلى جده أسعد حمد الله عواد، الذي أرسل نحو 300 جندي من أبناء قرية تلفيت للقتال في حرب البلقان، ولم يعد منهم أحد، فمُنح مكافأة من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، تمثلت فيما يقارب 50 ألف دونم تمتد بين المغير ودوما.

حتى عام 1967، كانت خربة المراجم تضم 67 منزلًا، غير أن حرب النكسة غيّرت المشهد بالكامل، إذ لم يبقَ بعدها سوى 13 منزلًا، فيما تراجع العدد اليوم إلى أربعة منازل فقط تؤوي خمس عائلات، في مؤشر خطير على التراجع الديمغرافي.

ويؤكد داود لـ"وفا" أن الخربة بدأت منذ عام 1984 تشهد هجرة تدريجية للأراضي وتركها دون استغلال أو خدمة، في حين أقدم آخرون على بيع أراضيهم عبر وكالات بيع، بوساطة كاتب عدل إسرائيلي أو أردني، لحملة الهوية الإسرائيلية من سكان القدس، محذرًا من خطورة هذه الظاهرة وما تحمله من مخاطر تسريب الأراضي لصالح التوسع الاستعماري.

ورغم ذلك، يشير داود إلى أن سلطات الاحتلال لم تستولِ حتى اليوم على أي جزء من أراضي الخربة رسميًا، ولم تُصدر أوامر إخلاء أو تهجير بحق سكانها، لكنها صنّفت الخربة منطقة أثرية، استنادًا إلى قانون قديم يعود إلى عام 1966 إبان الحكم الأردني، الأمر الذي يثير تساؤلات عن طبيعة هذا الاستهداف غير المباشر.

وتقع خربة المراجم بالكامل ضمن المناطق المصنفة "ج" وفق اتفاقية أوسلو، وتبلغ مساحتها نحو 50 ألف دونم، تعود ملكيتها لأربع قرى هي: دوما وقريوت والمغير وتلفيت. ويقطنها اليوم نحو 50 فردًا من خمس عائلات، بينهم أطفال ونساء، يواصلون حياتهم في ظروف معيشية بالغة القسوة.

ويلفت داود إلى أن الحياة اليومية في الخربة محفوفة بالمخاطر، موضحًا أنه اضطر إلى ترك عمله، بعدما كان يدير مكتبًا للسياحة والسفر في نابلس لأكثر من ثلاث سنوات، نتيجة تصاعد اعتداءات المستعمرين، ليبقى مرابطًا في الخربة مدافعًا عن بيته وأرضه.

ويقول إنه تعرّض شخصيًا لـ93 اعتداءً منذ عام 2023، شملت الضرب، والحرق، وتخريب المحاصيل، وإطلاق النار، وتدمير مركبته ومحتويات منزله، دون أن يُحاسَب أي من المعتدين، رغم تقديمه شكاوى موثقة لشرطة الاحتلال.

وبعد مقتل أحد رعاة المستعمرين العام الماضي، أُقيمت بؤرة استعمارية جديدة قرب الخربة، سرعان ما تحولت إلى تجمع يضم عشرات الكرفانات، وشُقّت له طرق عسكرية، مقابل تضييق متصاعد على الفلسطينيين، شمل منعهم من الزراعة والرعي وحتى الوصول إلى منازلهم.

ويحمّل داود جزءًا من المسؤولية لأصحاب الأراضي الغائبين، وللمجالس القروية التي لم تتحرك بجدية لوقف تسريب الأراضي أو الاعتراض على البؤر الاستعمارية، كما يوجه انتقادات إلى المؤسسات الرسمية والحقوقية الفلسطينية، التي يصف دورها بالغائب أو العاجز، في حين يقتصر الدعم -إن وُجد- على بعض المؤسسات الأجنبية.

ويعرب سكان الخربة عن خشيتهم من أن يكون تصنيف "الآثار" ذريعة لتهجيرهم، كما حدث في خِرَب مجاورة جرى إفراغها بالكامل. ويقول داود: "إذا سقطت المراجم، ستسقط دوما والمغير تباعًا"، محذرًا من مخطط أوسع يستهدف تفريغ المنطقة الشرقية من سكانها الفلسطينيين.

ورغم كل ذلك، يؤكد تمسكه بالأرض، قائلًا: "جربت الغربة، ولن أعيش ذليلًا في بلاد غيري. سأبقى هنا حيًّا كريمًا، وإن متّ أمت كريمًا. هذه أرضنا دينيًا وقانونيًا، ولن نتركها".

من جهته، يصف المتقاعد العسكري نسيم مسلم، أحد سكان الخربة، واقعًا يوميًا من الاعتداءات المباشرة، مشيرًا إلى أن المستعمرين لا يبتعدون أكثر من 30 مترًا عن منزله، ويقتحمون محيطه بأبقارهم تحت حماية مسلحين.

ويقول: "زرعت غرسات قدّام باب الدار… أنزلوا الأبقار عليها، وما خلّوا إلا عيدان. الأبقار سارحة بلا راعٍ، والمستعمرون مسلحون، كأنهم في عرض عسكري".

ويؤكد مسلم أن وتيرة الاعتداءات تصاعدت بشكل ملحوظ بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث استبدل المستعمرون بالأغنام الأبقار لإحداث دمار أكبر، ويأتون مرتين أو ثلاثا أسبوعيًا، تحت حماية جرارات ومستعمرين مسلحين.

وفي آذار/مارس من العام الماضي، تعرّض منزل مسلم ومنزل أحد أقاربه للإحراق الكامل. ويضيف: "النار أكلت كل شيء، حتى الحديد الذي يحمل السقف ذاب من شدة الحريق. لم تكن هناك مطافئ قريبة، وأقربها يبعد نحو 30 كيلومترًا، وعند وصولهم كانت البيوت قد تحولت إلى رماد".

ونسيم مسلم، وهو ضابط متقاعد من جهاز الأمن الوقائي منذ عام 2017، يذكر أنه تعرض لاعتداء جسدي خطير عام 2022 كاد يودي بحياته، ورغم ذلك أعاد ترميم منزله بإمكانات ذاتية، في ظل منع الاحتلال البناء بالباطون أو سقف المنازل بالإسمنت، ما اضطر العائلات إلى استخدام الزينكو والصفيح.

وحتى عام 2018، كانت الخربة تضم نحو 14 عائلة، إلا أن الضغوط المتواصلة دفعت معظمها إلى الرحيل، ولم يبقَ اليوم سوى عدد محدود من البيوت المأهولة، فيما يضطر الأطفال إلى قطع مسافة ثلاثة كيلومترات للوصول إلى مدارسهم في قرية دوما.

ووفق تقرير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حول "أبرز انتهاكات الاحتلال ومستعمريه خلال عام 2025"، فقد نفذت قوات الاحتلال والمستعمرون 23827 اعتداءً بحق المواطنين وممتلكاتهم، توزعت على 1382 اعتداءً على الأراضي والمزروعات، و16664 اعتداءً على الأفراد، و5398 اعتداءً على الممتلكات.

وأوضح رئيس الهيئة الوزير مؤيد شعبان، في مؤتمر صحفي عُقد اليوم الاثنين في رام الله، أن جيش الاحتلال نفذ 18384 اعتداءً، فيما نفذ المستعمرون 4723 اعتداءً، ونفذت الجهتان معًا 720 اعتداءً.

وأكد شعبان أن عام 2025 كان مثقلًا بالدم والخرائط والقرارات، مشيرًا إلى أن الاحتلال لم يكتفِ بتوسيع المستعمرات، بل سعى إلى إعادة تعريف الجغرافيا والوجود الفلسطيني برمّته، في إطار مشروع استعماري متكامل يستهدف الأرض والإنسان والذاكرة معًا.

ــــ
ز.ع/ ف.ع

 

مواضيع ذات صلة

اقرأ أيضا